هذا هو ابن سينا في الفكر المعاصر، ونود أن نرجع إلى أصوله، وأن نتابعه في سيرة الزمن، مشيرين أولًا إلى آثاره في المشرق، ونحن نعلم أنه قمة عليا من قمم القرن الخامس الهجري، وهو العصر الذهبي للفكر الإسلامي. فما أن بلغ العشرين حتى أخذ الملوك والأمراء يتنافسون في دعوته إلى حضرتهم، كي يفيدوا من علمه وفلسفته، وقضى نحو أربعين سنة متنقلًا بين بعض العواصم الإسلامية.
ولقد كان غزير العلم، واسع المعرفة، ويعدمن كبار الموسوعيين في التاريخ. إلى جانب تبحره في الطب والفلسفة. كتب وألف بالعربية والفارسية، وخلف لنا ثروة فكرية بالغة، نذكر من بينها كتاب الشفاء، وكتاب الإشارات في الفلسفة، وكتاب القانون في الطب، وكون مدرسة اتصل سندها من القرن الخامس إلى القرن السابع الهجري، ومن أشهر رجالها بهمنيار بن المرزبان (408هـ) ، الذي كان أثيرًا لدى أستاذه، وناصر الدين الطوسي (672هـ) الذي يعد شيخ أتباع ابن سينا المتأخرين وله على الإشارات شرح يعول عليه الباحثون والدارسون حتى اليوم.
وبين المشائين العرب، يعد ابن سينا الفيلسوف الأول الذي عرف كيف يتآخى مع المدارس الكلامية، سِّنية كانت أم شيعية. فأخذ فخر الدين الرازي (1209م1) ، وهو الفقيه الكبير والأشعري المعروف، بكثير من آرائه، وحرص هو الآخر على أن يشرح كتاب الإشارات. والايجى (1356م) والتفتازاني (1387م) ، وهما من كبار الأشاعرة المتأخرين يعولان عليه كل التعويل في دراساتهما الطبيعية والميتافيزيقية، وكتابا هما المشهوران، المواقف، والعقائد، يمزجان الكلام بالفلسفة وكان لهما شأنهما في الدراسات العقلية بالمعاهد الإسلامية الكبرى، كالأزهر والزيتونة والقرويين، منذ القرن الثالث عشر الميلادي إلى اليوم.