ومما يلاحظ على شيخنا الفكون -رحمه الله- أن ذلك المقياس- إن جاز تسميته كذلك- كان كثير التلجلج والاضطراب في يده، ويبدو أنه كان يعيش نوعًا من القلق والاضطراب بين عقله وقلبه، فرغم أننا ألفيناه في (المقدمة) عازمًا على تنصيب (العقل) ميزانًا للحكم على الأمور الغيبية بعامة والتصوف منها بخاصة، لإسقاط سلطة العقل الباطن من عرشه، إلا أن الشيخ -وكما يبدو لي- قد أخفق في ذلك إخفاقًا كبيرًا، وانتصر عليه"قلبه"انتصارًا خطيرًا، لأنه لانَ أمامه واستسلم له، ولم ينكر ما ينسب إلى التصوف من علم لدني، وولاية، وكرامة، وما إلى ذلك من المغيبات، ولكنه أنكر على من يرتدي ذلك مدعيًا أو ليس أهلًا له، ومن ثمَّ بات التصوف في نظر الشيخ مثل"الجبَّة"أو"الخرقة"يلبسها أحدهم فتزينه، وهي نفسها يلبسها آخر فتشينه، لا لعيب فيها، بل في من يلبسها.
وهكذا نلاحظ أن لا الفكون ولا غيره استطاع أن ينفلت انفلاتًا كليًا من طوق التصوف الذي كان يحوط العهد العثماني في الجزائر بطوقه، ويطبعه بطابعه. فظهر ذلك جليًا في مؤلفات هذا العهد، مثل مؤلف ابن مريم، ومؤلف الفكون، فضلًا، عن مؤلفات أخرى مثل رحلة الورثلاني (75) ورحلة ابن عمار (76) ورحلة ابن حمادوش (77) ورحلة العياشي (78) وتراجم الحفناوي (79) التي كتبها بعد العهد العثماني، وغيرها، وهي في أغلبها عبارة عن تراجم وأخبار، اعتنت بالحركة الصوفية ممثلة في الشخصيات المترجم لها، فإذا تصفحناها فإننا نجد العبارات الصوفية مثل (العارف بالله) و (الشيخ الرباني) و (صاحب المكاشفات والكرامات) و (من كشف له الغطاء) و (مجاب الدعوة) وغيرها من الأوصاف التي لها علاقة (بالكرامة) و (الولاية) و (القطبانية العظمى) هي العبارات الرائجة أكثر من غيرها.