وإذا واصلنا فحص كتاب الفكون محاولة منا لمعرفة المقياس الذي يحكم به ما صح عنده من التصوف، وما هو من قبيل البدع، نجده يتناقض أحيانًا مع نفسه فما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل المغضوب عليهم (69) نجد له نظيره أو أكثر منه بدعة أحيانًا مما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل الذين رضي الله عنهم (70) ، فينكر ذلك عمن سبق، ولا ينكره عمن لحق، بل كان يميل إلى الاعتقاد به أكثر مما كان ينفر منه، فهو القائل:"وكرامات الأولياء مما يجب الإيمان بها، ورؤية الملائكة جائزة" (71) وكان ذلك تعليقًا منه على حكاية سمعها عن فقيه، قيل له: أنه رأى"جبريل وميكائيل وبين يديهما ثلاثة أباعر"، ولكنه بالمقابل يعيب على الشيخ محمد ساسي البوني أنه صار في"بلد بونة"أي عنابة"رئيس الباطن والظاهر"ويعتقد الناس في البلد ونواحيها أنه"وارث شيخه وخليفته" (72) ثم ينكر عليه أنه"ادعى مقام الأكابر من الأولياء"ثم يذكر أنه كان شاعرًا، وينكر عليه أنه قد ملأ شعره بعبارات"الحانِ والدنانِ"و"يزعم أنه شرب من كأس الصفوة"وأنه"جلس على بساط القرب"وأنه"عرج به إلى السماء وكشف له عن أحوال الملكوت" (73) وكل هذه وغيرها مما يتهم به الفكون، الشيخ البوني، ويعتبر ذلك من البدع! وهو كما نرى من"شطحات"الصوفية.
وعندما حاول أن يضع مقياسًا لتصديق مثل هذه الرؤى، وخوارق الكرامات والشطحات الصوفية، مرة، وإنكارها هي نفسها مرات أخرى نجد ذلك المقياس يتلخص في: أن لا إنكار على من يأتي بها أو يرويها عن نفسه وغيره، إذا"كان بالمثابة المثلى من طريق أتباع السنة والمعرفة بالله والحق أبلج والباطل لجلج" (74) .