وبذلك وجد التصوف المجال خصبًا للنماء والانتشار والشيوع بين العامة والخاصة، وتطعم بالمعتقدات الشعبية المحلية فانتشرت -لذلك بجانبه الخرافة والإيمان بالشعوذة، وعمت الطرقية، فلا نكاد نجد علَمًا من الأعلام المشهورين بعلم الظاهر أو الباطن غير منتسب لطريقة معينة أو لشيخ معين، وكيف لا، وحكمة أبي يزيد البسطامي القائلة:"من لا شيخ له فشيخه الشيطان" (44) . كانت رائجة على كل لسان، لذلك كان الناس يفخرون بانتسابهم إلى هذه الطريقة أو تلك، وإلى هذا الشيخ أو ذاك، وكثيرًا ما نجد في تراجم الأعلام لهذه الفترة عبارة مثل: فلان"أخذ"عن الشيخ الفلاني"علم الظاهر"أو"علم الباطن"أو هما معًا، وأما العامة من الناس، وبخاصة منهم النساء، فيكتفون غالبًا بالاعتقاد الراسخ في"الشيخ"أو"الضريح"القريب منهم، ويلجأون إليه كلما أصابهم ضرّ أو ألمَّت بهم مصيبة (45) . وما تزال آثار هذه الاعتقادات سارية إلى اليوم في بعض الأوساط الشعبية، وأحيانًا في أوساط المتعلمين (وحتى المثقفين منهم) .
ولقد أعطى ذلك التجاوب بين الصوفية والسلطة العثمانية، نتاجًا ثقافيًا غزيرًا، مشوبًا في أغلبه بالتصوف، والتفكير الباطني، المعتمد على المجاهدة وتصفية النفس بالترك والزهد والتخلي للتحلي، وقلَّما نجد نتاجًا ثقافيًا يعود إلى هذه الفترة قد نجا من"حمّى"التصوف، ذلك لأن أغلب الشيوخ المتصدين للإفتاء والتدريس كانوا يجمعون بين علمي الظاهر والباطن، كما أن المؤسسة التعليمية المفضلة كانت غالبًا هي"الزاوية"وكانت المواد المدرسة في أغلبها دينية مشبعة بروح صوفية، وكان التصوف من بين المواد المدرسة من خلال بعض الكتب المشهورة: كالرسالة القشيرية، وحِكَم ابن عطاء الله، وإحياء علوم الدين للغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وغيرها من أمهات الكتب والتراجم.