والثاني: يتمثل في ما يمكن أن نسميه"سلطة الصوفية"على كل من الحكام والرعية، لخضوع الكل لمشورتهم عند العزم.
والجانب الثالث الذي يمكن أن نستشفه منها، هو تعميق وترسيخ"التفكير الغيبي"في مقابل تعطيل التفكير العقلي، وتهميش ممثليه الذين تشتم منهم رائحة الإصلاح.
وفي داخل الوطن اقتفى كثير من مشايخ الصوفية أثر من سبق في تحالفهم مع العثمانيين، فأتباع الملياني وتلاميذه اقتفوا في أغلبهم صنيع شيخهم، نذكر منهم محمدًا بن شاعة الذي أعفاه العثمانيون من الضرائب لموقفه الإيجابي منهم (31) ، ومن غير المستبعد أن يكون تلميذ الملياني: محمد بن عبد الجبار الفيجيجي المتوفى سنة 950 هجرية قد تعاون مع العثمانيين اقتداءً بشيخه، فقد كانت له زاوية بمنطقة تاسالة، جعلها وقفًا على المريدين الذاكرين (32) .
وفي ضواحي شلَف كان يرابط الشيخ ابن المغوفل، وهو من صلحائها الروحيين، وكان له في قومه نفوذ، لذلك كان أول من قصده العثمانيون في هذه الجهة، وطلبوا إليه مبايعتهم، ومناصرتهم على الزيانيين، ومباركة حملتهم عليهم، فكان لهم منه ما أرادوا، وجهَّز لهم حملة وبعث معهم ولديه بعد أن اعتذر الشيخ عن الذهاب معهم (33) .
وفي مجاجة قرب مدينة تنَس، كانت ترابط عائلة أبهلول المجاجي، وقد أسست هذه العائلة زاوية بمجاجة، وكان من بين أهداف مؤسسيها: الجهاد في سبيل حماية الإسلام والأرض الإسلامية من الغزو الصليبي. وقد تعاونت هذه العائلة -لذلك- مع العثمانيين، وكان من أشهر رجالاتها لهذه الفترة، الشيخ محمد بن علي آبهلول المجاجي (34) ، وقد ظلت هذه الزاوية تؤدي دورها في الجهاد في العهد العثماني، ولم ينقطع هذا الدور بذهاب العثمانيين، إذ برز أحفاد الشيخ كمجاهدين مع الأمير عبد القادر الجزائري، الذي تصدى للغزو الفرنسي (35) .
ولقد تعمدت سوق هذه الطوائف من المتصوفة والطرق الصوفية التي سطع نجمها، وتزامن مع الوجود الفعلي للعثمانيين بالجزائر لسببين: