فهرس الكتاب

الصفحة 12418 من 23694

وأما في قسنطينة التي كانت تابعة للسلطة الحفصية بتونس، قبل الوجود العثماني بالجزائر، كان أمر"السلطة الروحية"فيها بيد أكثر من عائلة: أهمها عائلة الباديس، وعائلة آل عبد المؤمن، وعائلة الفكون، وهذه الأخيرة هي التي عمل معها العثمانيون نفس ما عملوه مع ابن يوسف الملياني في الغرب، فقد رحبت بالوجود العثماني، وتحالفت معه، فآل إليها مصير قسنطينة"الروحي"، أما عائلة آل عبد المؤمن التي كان بيدها الحل والربط والتي انتصرت للحفصيين، فكان مآلها الخسران مع العثمانيين (27) وفي الجزائر سبقت الإشارة إلى أن صوفية الثعالبة تحالفوا مع العثمانيين، وعقدوا مع بابا عروج العثماني، معاهدة لصد الإسبان الذين كانوا متمركزين بصخرة"بنيون"على مقربة من شاطئ المدينة) (28) ... وقد خان سالم التومي -الذي كان يمثل السلطة الزمنية- المعاهدة، فخنقه الترك، ولكن ثقتهم في رجال الدين بعامة، والصوفية بخاصة، بقيت على حالها ثابتة، فقد عيَّن العثمانيون أبا عبد الله محمد بن علي الخروبي سفيرًا لهم مرتين على الأقل، يمثلهم لدى سلاطين المغرب الأقصى، وكان الخروبي من رجال الدين والتصوف، وهو من تلاميذ أحمد زروق، قدم إلى الجزائر من طرابلس، فاستوطنها وتوفي بها سنة 961 هجرية (29) .

وأما في عنابة، فقد قصد العثمانيون عائلة ساسي البوني، التي كانت تمثل السلطة الروحية هناك، فلم تخيب العائلة قصدهم، بل توطدت بينهم علاقة حميمة على مر الزمان، وتتجلى هذه العلاقة من خلال الرسائل (30) المتبادلة بين محمد ساسي البوني، ويوسف باشا (الجزائر) من جهة، وبين أحمد بن قاسم البوني (الحفيد) ومحمد بكداش من جهة أخرى. ويمكن النظر إلى موضوع هذه الرسائل من جوانب ثلاثة:

الأول: يفيد تقرب السلطة العثمانية من الصوفية، وإضفاء هالة من التقديس الأعمى عليهم، وإيمانها العميق بهم كأولياء الله الروحيين في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت