فهرس الكتاب

الصفحة 12415 من 23694

ونستخلص من كل ذلك أن الأوضاع السياسية للبلاد، كانت مضطربة، وخريطتها السياسية، لم تكن واضحة المعالم والحدود، فمثل الجزائر بمشيخة الثعالبة كان له ما يماثله من المشيخات والإمارات في مناطق أخرى من الوطن، وظلت الذهنية الشعبية مرتبطة بالسلطة الروحية المتمثلة في"مشائخ الصوفية"أكثر مما كانت مرتبطة بسلطة زمنية معينة تجمع شتات القبائل المتنافرة، فقد كان لكل مدينة رمزها الروحي، الذي يؤلف بين القلوب. فالثعالبي ظلَّ حيًا -ثم ميتًا- يمثل رمز السلطة الروحية في مدينة الجزائر وأحواض متّيجة، وكان القطب الصوفي محمد الهواري يمثل تلك السلطة في وهران، وكانت مازالت قسنطينة"مدينة سيدي راشد"وتدعى تلمسان -رغم وجود سلطة زمنية بها آنئذ-"مدينة سيدي بومدين الغوث" (15) ، وفي معسكر كانت"الطريقة القادرية"التي أسسها سلف الأمير عبد القادر هي التي تمثل تلك السلطة، وفي أحواض شلَف وتنَس كان يمثلها آل أبَهْلَول المجاجي (17) ، وفي عنابة كانت المشيخة في عائلة"ساسي البوني"وفي غيرها من المدن والجبال والسهول كان غيرهم من الرموز الروحيين، الذين مازالت آثارهم المتمثلة في الأضرحة والقبب تدل عليهم، وتدل على ما كان لهم من سلطة روحانية على الأهالي.

وإلى جانب تلك الرموز الروحية، كانت قائمة بعض الإمارات الضيقة، والمستقلة بعضها عن بعض، فضلًا عن سلطة الزيانيين بتلمسان (18) إلا أن الوجود العثماني الفعلي والرسمي بالجزائر منذ بداية القرن العاشر الهجري عمل على تذويبها، وجمع شمل كثير من القبائل والإمارات المتنافرة لتوحيدها تحت سلطته، كما عمل العثمانيون على إعادة رسم خريطة جديدة لأقطار المغرب العربي، بقيت -مع بعض التعديلات الطفيفة- منذ ذلك التاريخ إلى الآن، ومنذ ذلك التاريخ أيضًا أصبحت الجزائر تابعة للخلافة العثمانية مثلها في ذلك مثل مجمل الأقطار العربية، بخلاف المغرب الأقصى الذي ظل مستقلًا عن العثمانيين (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت