ولكي نعرف دور الصوفية السياسي وموقفهم من الوجود العثماني كسلطة بديلة، لابد من الإشارة إلى أن الحركة الصوفية بالجزائر كانت قد انتشرت بكامل القطر قبل مجيء العثمانيين (20) ، وإذا كان الحس"الوطني"كما نفهمه اليوم يكاد يكون منعدمًا عند الخاصة بله العامة، فإن"الحس الروحي"المشوب بالتصوف هو الذي كان يجمع شتات القبائل والإمارات تحت مظلته، وبه كانوا يشعرون أن مصيرهم واحد إزاء الغزو الصليبي لهم، فرغم تفرقهم وتناحرهم أحيانًا، من أجل توسيع نفوذهم واكتسابهم لمزيد من الإقطاعات، إلا أنهم سرعان ما توحدهم كلمة"الجهاد"في سبيل الذود عن حرمة الإسلام وحماه، وأن الصوفية في الغالب هم الذين كانوا يغذون تلك الوطنية الدينية"أو ما يمكن أن نطلق عليه"سلطة الصوفية"."
ففي تلمسان مثلًا عاصمة الغرب الجزائري الثقافية، كان يغذي تلك السلطة الروحية كثيرون من أشهرهم عائلة ابن مرزوق، وتلاميذها (21) ، وكان"قطب زمانه"الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الدار والنسب، دفين مليانة، المتوفى سنة 927هـ (22) يروج للطريقة الشاذلية -التي كان يرتدي خرقتها -في كامل القطر بعامة، وفي الجهة الغربية منه بخاصة (23) وقد اشتهر"بالقطبانية"و"الولاية"في عهده، وذاع صيته في الناس، ونزل إلى العامة يستميلهم إليه، فلقنهم"الذكر"، فتبعه خلق كبير، حتى النساء، وقيل له في ذلك:"أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء للعامة حتى النساء، فقال: قد دعونا الخلق إلى الله فأبوا: فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر" (24) .