هذا فضلًا عن بعض التفاصيل في رواية روبنسون كروزو تتبّعها السيد عباس لبيان وجوه الشبه وأشكال التأثير الخفية مثل خلوّ القصتين من وجود المرأة بل من مجرد التفكير فيها، ومن تصوير كل منهما لشخص هبط الجزيرة ومن تعليم أحدهما الآخر لغته التي يتكلم بها، ومن أمور أخرى يستطيع القارئ أن يتأملها في مقارنة القصتين البديعتين اللتين كأكثر الطوباويات تجري أحداثهما في جزيرة نائية، مبتعدة عن المجتمعات الإنسانية.
لقد تفتّق الخيال الإنساني عن أساطير قديمة لا يعدم بعضها شبهًا بقصة"حي بن يقظان"مثل أسطورة الصنم والملك وابنته إذ عثر على تمثال عليه كتابة تروي سيرة صاحب التمثال. وهي أن والدته كانت ابنة ملك قوي جبار تعلقت بابن الوزير الأكبر وحملت منه فخشيت افتضاحها. فلما ولدته صنعت له صندوقًا وضعته فيه وألقته في اليم. فحمله الموج حتى ألقاه على شاطئ جزيرة خصبة لم تطأها قدما إنسان. فالتقطته ظبية وأرضعته ورئمته ونما الطفل وجعل يتدبر أمور معاشه ويتفكر في الحياة والكون ثم ساقت الظروف والده ابن الوزير إلى الجزيرة، فلقنه اللغة والمعارف ثم رجعا معًا إلى الجزيرة المعمورة.
بل إن خيال الإنسان تصور آلهة متعددة في أوهامه وجعل ابني الإله مارس روميو لوس ورريموس يلقي بهما وهما طفلان في نهر تيبر بإيطاليا، فقذفهما الموج إلى الضفة وأرضعتهما ذئبة حتى نموا ووجدهما راع، ثم كبرا وشبّا عن الطوق ورغبا في أن يبنيا بلدًا تخليدًا لنجاتهما. وتنازعا وقتل روميولوس أخاه وشاد روما التي حملت اسمه وكان أول ملوكها!
ولم ينقطع خيال الإنسان عن تصور الإنسان الوحش حتى في العصر الحاضر. وفي حكايات"طرزان"تهاويل تصور حياته في الطبيعة مع الوحوش. ولكن ذلك كله في جانب ورسالة حي بن يقظان الفلسفية المتقنة في جانب آخر.