فهرس الكتاب

الصفحة 12169 من 23694

لقد كانت الشام دائمًا موئلًا للطلبة والعلماء أو مستقرًا لهم (8) ، توحد بين أقطار العروبة، وتصل الرّحم.

ولم تكن دمشق في كل تاريخها مكانًا للإقليميين أو الانعزاليين.

ظلت دمشق تحمل هموم العرب وتدافع عنهم وترفع من شأنهم. تبني صرح دولتهم وتصنع حضارتهم وتحمل رسالتهم.

وفي هذا العصر الذي نحن بصدده صارت دمشق كعبة للطلبة والعلماء والأطباء.

ولكن إذا صح أنه (لولا دمشق لما كانت طليطلة) (ولا زهت بغداد) ، فإنه لا يضير دمشق أن نبيّن أنه في حقل تاريخ الطب: (لولا بغداد لما كانت دمشق) ، ولا زهت القاهرة أو القيروان أو قرطبة).

فالطب العربي بدأ في بغداد -العاصمة العربية الثالثة- ذلك أن الدولة العربية لم تستطع أن تأخذ طب الأمم السالفة وأن تتمثله وترفع رايته إلا بعد فترة زمنية انتقل فيها مركز الدولة من الحجاز إلى الشام ثم إلى العراق (9) .

وقد كان التأثير الأسبق -في حقل الطب- على بغداد لحاضرة الأحواز العربية"جنديسابور"في العصر العباسي الأول (10) .

ومن بغداد انتقلت العلوم الطبية إلى الشام ومصر والمغرب في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) .

أما في العصر الذي نحن بصدده فقد جاء الطب في أرقى مستوياته إلى الشام من بغداد، وبتعبير أدق: أثرت على الشام مدرسة بغداد الطبية التي كان على رأسها في ذلك الوقت الأستاذ البغدادي الكبير ابن التلميذ.

إن النهضة الطبية التي عرفتها الشام في القرنين السادس والسابع الهجريين (ق 12، 13م) تعتمد على الأساتذة الذين تتلمذوا -أساسًا- على أساتذة مدرسة بغداد.

ولعل مهذب الدين بن النقاش (11) هو أوضح مثال على ما نذهب إليه.

وثمة مسألة أخرى، يجب أن نشير إليها: وهي: أن الباب الأخير من كتاب ابن أبي أصيبعة: (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) هو أهم أبواب هذا الكتاب، ذلك أن الكاتب يدّون فيه معلومات سمعها من أساتذته أو خبرها بنفسه. وأحداث هذا الباب تدور في العصر الذي ينتمي إليه المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت