فهرس الكتاب

الصفحة 12168 من 23694

في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العرب عرف العالم دمشق على حقيقتها: مناضلة صامدة صابرة، تدفع قطعان المغول المتوحشين القادمة من الشرق، وتقاتل البرابرة الفرنجة الذين احتلوا فلسطين وساحل الشام، ودمروا الرها وأنطاكية وطرابلس والقدس.

لقد تألقت دمشق في هذه الحقبة من تاريخها كما لم تتألق من قبل وتوهجت روحها العربية الأصيلة عاصمة للمقاومة العربية وحاضرة إسلامية كبرى.

فلا عجب إذن أن تزدهر دمشق في ذلك الزمن، وأن يعمها الرخاء وينتشر فيها العمران، وأن يؤمها الناس للإقامة فيها (5) .

لقد وفرت دمشق العيش الكريم لسكانها، والسوق الرائجة لبضائع المدن المجاورة. وبنت المدارس ودور العلم تستقدم الطلبة من كل أقطار العالم العربي وتنفق عليهم وتنشئهم عدة للأمة وذخرًا للأجيال.

ولابد -بادئ ذي بدء- من توضيح مسألة منهجية، فحديثنا عن دمشق الشام لا يعني أننا نعزلها عن المدن العربية الأخرى، فهي لم تعرف في تاريخها العزلة، ولم تبتعد يومًا عن محيطها الطبيعي. لقد ظلت دمشق دومًا قلبًا نابضًا للشام (6) تسري الحياة منه شرقًا حتى تصل الفرات والجزيرة والعراق، وتأتيه الحياة من الشرق لتزيده وجيبًا وعروبة، وتنطلق منه الروح غربًا إلى أرض الكنانة، وتوغل حتى القيروان والمغرب والأندلس، وتعود الروح إليه من الغرب مؤكدة عروبته وأصالته.

من كل هذه الأقطار والأمصار يأتي الطلبة إلى دمشق، ومنها يأتي المحاربون يدافعون عن أرض العرب وعن حضارة الإسلام.

من هذه الأقطار أتى العلماء إلى دمشق، وأتى الأطباء. بعضهم مرّ بها، وبعضهم استقر فيها:

من بغداد جاء إسحق بن عمران، مرّ بالشام وبمصر، وألقى عصا الترحال في القيروان.

ومن الموصل جاء عمار بن عليّ وعمل في مدن شامية عديدة (7) واستقر في القاهرة.

ومن الأندلس جاء ابن البيطار ليعمل في القاهرة وفي الشام ويموت في دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت