وفي الواقع اعترف بالمسيحية كديانة شرعية ومنحها امتيازات جعلتها قوية فقضت على الوثنية نهائيًا. وهكذا استلم قسطنطين الإمبراطورية الرومانية وثنية فجعلها مسيحية. واعتبر المؤرخون تأسيس مدينة روما الجديدة (القسطنطينية) حدثًا تاريخيًا بارزًا. ورغم أنه لم يحرم (روما) من مكانتها، فإنها لم تعد العاصمة الفعلية بعدما جعل معها عاصمة ثانية (روما الجديدة -القسطنطينية) تمثل الحياة والمستقبل، مقابل الانحطاط والماضي... مما أكد انتصار الشرق على الغرب، وبشّر بظهور حضارة جديدة.
ويلاحظ المؤرخون بين عهد (قسطنطين الكبير) وعهد (جوستنيان الأول) ظهور عهدين هامين أيضًا هما:
-عهد الإمبراطور (تيودوس الأول الكبير 379- 395) الذي اعتبر آخر إمبراطور يحكم فعلًا الإمبراطورية الرومانية في الشرق والغرب.
-عهد الإمبراطور (تيودوس الثاني) الذي وسّع العاصمة القسطنطينية وجعلها عاصمة الثقافة بعدما أسس فيها جامعة تضم واحدًا وثلاثين كرسيًا جامعيًا وتدرس اليونانية واللاتينية.
ويلاحظ تزايد معارضة الشرق والغرب وبخاصة بعدما تمركزت في الشرق القوى الحقيقية المختلفة الفعالة، وغدا مركز الثقافة والفعاليات المختلفة، ويضم المقاطعات الغنية والمنتجة... الخ... وكان (أوسابيوس 265- 340) قد تثقف في أنطاكية السورية وأصبح صديق الإمبراطور قسطنطين، وعرف كأول مؤرخ كنسي، ويعود إليه وصف ظهور المسيحية وعلاقتها بالدولة. وفي عام 386 انتقل القديس (ايرونيموس) (315- 420) إلى بادية الشام ليعيش حياة العزلة، فاعتبر ذلك بمثابة إسهام في إدخال حياة (الرهبنة) إلى سورية، وتأكيد للاعتقاد بأن في جمال القيم الروحية ما يحبب المرء بالاعتزال عن هذا العالم الفاني، والاستشهاد في سبيل هذه القيم الروحية...).