لقد عثرنا في قرى المزارعين الأوائل في حوضة دمشق على ما يؤكد أن هؤلاء الناس قد تخطوا في نشاطهم اليومي مجرد تأمين الحاجات المادية المباشرة، من طعام أو شراب، لأفراد مجتمعهم، ليعتنوا بأمور الفكر والفن والروح أيضًا. فهناك الحلي والدمى والتماثيل والقبور التي تعكس نظام شعائرهم ومعتقداتهم. ونحن نلجأ إلى تلك الوثائق الأثرية التي تدلنا، وإن بشكل غير مباشر، على عالمهم الروحي فهم أنفسهم لم يكتبوا ولم يدونوا أي شيء عن أفكارهم ومعتقداتهم. بل إننا لا نعرف أسماءهم ولا أسماء قراهم أو آلهتهم ولكننا نعتقد أنها الأصل الذي أتت منه معتقدات شعوب الشرق القديم المدونة بالخطوط المسمارية. لقد صور هؤلاء الناس حيواناتهم التي دجنوها، صنعوها من اللبن المشوي بالنار أو المجفف أو الحجر. وجسدت البقر والماعز والغنم والغزال والخنزير، تكرر بينها الثور وقرونه كثيرًا ومن هنا نتحدث عن"الثور المقدس"وعبادة الثور منذ مطلع الألف الثامن ق.م. هذه الحيوانات جسدها سكان تل أسود وتل الغريقة وتل الرماد وتل الخزامي في كل مراحل مستوطناتهم. كما جسد هؤلاء أنفسهم ولعل أروع ما أعطاه سكان تل أسود (المرحلة الثانية) هو التماثيل البشرية، طولها بين 3-6 سم، بعضها واقعي ومعبر جدًا تظهر فيه المرأة"الإلهة"جالسة، وركها أعضاؤها التناسلية مضخمة صدرها بارز ترفعه بيدها، وهي غالبًا بلا رأس أو بلا نهايات لأطرافها لأن التركيز انصب على مراكز الأمومة والجنس. وهناك تماثيل أخرى مبسطة عبارة عن أفخاذ عليها رأس مختزل أنفه كتلة صغيرة وعيونه حفرة ولا إشارة للفم ولا للآذان على الرأس عصبة تلفه تشبه"العقال". ومن تل أسود وتل الرماد أيضًا أتت تماثيل عبارة عن عصي متطاولة أو ذات أشكال غريبة لا نستطيع تحديد معالمها بسهولة.