وهكذا استفادت طبقة الأعيان والملاّك من إصلاحات التحديث فانحازت إلى السياسات الصادرة عن استانبول وخاصة أيام السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم منذ عام 1876 وحتى عام 1909 والذي شدد على الطبيعة الإسلامية للإمبراطورية بعد فقدانه للولايات المسيحية في البلقان، كما اهتم بإرضاء الأعيان العرب في دمشق والمدن الشامية الأخرى فقرّب بعضهم إليه وجعلهم موضع سره. وقد جسّد نزعته الإسلامية بإنشاء شبكات من الخطوط الحديدية ما بين بيروت ودمشق، وبين يافا والقدس وأخيرًا مشروع سكة حديد الحجاز الذي انتهى العمل فيه عام 1908 وبدت الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن العشرين أشبه بدولة إسلامية للأتراك والعرب معًا... وبالرغم من استبداد السلطان عبد الحميد بدا أعيان دمشق والمدن الشامية الأخرى سعداء في العيش فيها (16) .
نشوء الفكر القومي:
وفي الوقت نفسه كان الشعور الوطني والقومي يتفاعل وينمو بين أفراد الطبقة العربية المتعلمة الذين تأثروا بمفاهيم الحضارة الغربية وبأفكار الثورة الفرنسية الداعية إلى التمسك بالحريات الدستورية ومقاومة الاستبداد. فجاءت الخطوات الأولى من بعض المثقفين المسيحيين عندما تبلور لديهم شعور عربي أصيل بدأ على مستوى تذوق اللغة العربية وضمن مفهوم جديد يهدف إلى تخطي الحدود الطائفية وإلى تنمية الحسّ القومي وإجراء نهضة شاملة في جميع نواحي الحياة.
وكان المعلم بطرس البستاني (1819- 1883) أول من دعا سنة 1860 إلى القومية العربية. وكان توجهه إلى العرب بشكل عام وليس إلى السوريين وحدهم. وتُظهر موسوعته العربية اهتمامًا واضحًا بماضي العرب وبالشخصيات البارزة في التاريخ وفي الثقافة العربية والعالمية.
وأما إبراهيم اليازجي (1847- 1906) فلقد ذهب بعيدًا في شعوره القومي عندما راح يُلقي في الجمعية السورية في عام 1868 قصيدته المشهورة:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب