ويحق لنا أن نتساءل.. كيف تطور الشعور القومي في دمشق وبلاد الشام؟ كان الأمر البارز لدى علماء دمشق وأعيانها هو امتزاج الفكر الديني بالنزعة العربية إيذانًا برغبتهم الدفينة بالتحرر من الأتراك ولسان حالهم يقول:"نحن لسنا أتراكًا، نحن عرب وإن كنا عثمانيين". وكانت دمشق تحكم من قبل الأسر الدينية العريقة، وبتسلسل عجيب، منذ القرن السابع عشر. وكان الاعتزاز بالأصل العربي والانتساب إلى النبي العربي الكريم أو إلى أحد أبطال العرب المسلمين يمتزج لدى هذه الأسر بما فعله العرب في سبيل الإسلام، وكان هذا الأمر بالذات يقوي من شعور الانتماء نحو الجماعات العربية وماضيها.. بل وكانت هذه الأسر في أحد معانيها لسان حال الوعي القومي العربي.
ومن جهة أخرى، شكلت الأحداث الطائفية في عام 1860 حدًا فاصلًا بين مرحلتين هامتين من تاريخ دمشق. فإذا كانت المرحلة الأولى قد اتسمت بالأحداث الدموية وبمقاومة أعيان دمشق لإصلاحات السلطة المركزية في استانبول، فلقد تميزت المرحلة الثانية بالهدوء والاستقرار. فالحكومة العثمانية التي استطاعت فرض الحكم المركزي على دمشق لم تحاول ضرب الزعماء التقليديين فيها حتى الجذور، ولذلك لم تجنح لفرض عقوبة الإعدام بحقهم بل اكتفت بنفيهم. ولقد لقنتهم درسًا مفاده:"إنكم لستم وحدكم في الميدان، فعليكم بالامتثال لأوامر الحكومة المركزية ولسوف أُبقي على مصالحكم الاقتصادية ولكن عليكم أن تدركوا أننا بحاجة إلى قيادات جديدة من غير التقليديين لتتعاون مع النخبة السياسية المختارة في استانبول".