وتشير البيانات المختلفة الصادرة في تلك الفترة، بأن الدولة العثمانية استغلت الأجواء النفسية التي رافقت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وتنفيذ الإصلاحات فدفعت عناصرها في جبل لبنان ودمشق لتفجير الأحداث. وكان من نتاج هذا الأمر أن فرنسا أنزلت قوات عسكرية كبيرة على الساحل اللبناني، وراحت تتدخل بشكل سافر في شؤون الجبل ولكن بريطانيا كانت لها بالمرصاد فدعمت الدولة العثمانية في موقفها بالمطالبة بانسحاب الجيوش الفرنسية لأن أيًا من الدولتين الغربيتين، لم تكن لترضى أن تُشرف الأخرى على أي شبر من بلاد الشام. فاضطرت فرنسا أن تسحب جيوشها من لبنان بحيث لم يبق في أواخر عام 1861 أيُّ جندي فرنسي فيه (11) .
والجدير بالذكر، أنه على الرغم من وفرة الوثائق والتقارير، لم يستطع المؤرخون حتى الآن تحديد جميع العوامل التي كانت وراء الأحداث بشكل واضح ودقيق. فإذا أمكن للبعض منهم إبراز الحوادث السياسية والاقتصادية والدينية بشكل مقبول، فإن الجوانب الثقافية والقومية ظلت مهملة إلى حد بعيد، ولم تُمنح الاهتمام اللازم، مع أن إرهاصاتها كانت تظهر بوضوح من آن لآخر منذ ذلك اليوم الذي وطأت أقدام المصريين بلاد الشام. وكان من أبرز معالم الوجود المصري ازدهار اللغة العربية وأدبياتها والمساواة بين المسلمين والمسيحيين، فبدأ حس عربي قومي يتلمّس طريقه إلى الفريقين على حدٍ سواء.. وسُرعان ما أدركت الدول الثلاث، بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية، بأن الوعي الثقافي العربي في بلاد الشام سوف يسدّ المنافذ أمام المطامع الاستعمارية، فراحت جميعها تؤجّج النعرات الطائفية بين أبناء البلد الواحد كي تُجهض أي نشوءٍ لفكر قومي عربي في المستقبل.
بوادر الوعي القومي: