وهنا لابد أن نتساءل: هل كانت لدى أهالي دمشق طموحات وطنية وعربية؟ كان أعيان دمشق في المدينة القديمة يشعرون بقدرتهم على التصرف المستقل عبر نظام اقتصادي واجتماعي متماسك ألفوه منذ قرون طويلة. كما كان الدمشقيون في المدينة القديمة يعتمدون في كسب عيشهم وجني ثرواتهم على مصدرين رئيسيين، الزراعة والتجارة. وكان قطاع كبير من الأراضي الزراعية القريبة من دمشق تحت سيطرة أعيانها، فيما كان تجار النسيج يرتبطون بالصناعات الحرفية. ومن جهة أخرى راحت قنصليات الدول الغربية تُغدق الوكالات التجارية على المحميين من أبناء الطوائف غير الإسلامية حتى أن عددًا كبيرًا منهم جنوا ثروات طائلة خلال العشرين عامًا التي سبقت عام 1860. ولقد كان من شأن التغلغل الغزير للسلع الأوربية في الأسواق الدمشقية أن وُضعت الصناعة المحلية في موقف حرج، ولم يكن بمقدور سلع الإنتاج المحلي منافسة مُنتجات الصناعات الآلية الرخيصة الواردة من أوربا وانتهى الأمر بالحرفيين إلى الإفلاس (9) .
وكان الأعيان، من الأشراف وأبناء الأسر الدينية العريقة، يقومون بدور الوسيط بين الحكام والمحكومين. وكان يعيش معهم في المدينة الحرفيون والباعة الذين اعتادوا على نمط واحد من الحياة، فلم يحاولوا تحسين وتطوير إنتاجهم ليواكب جودة وتقدم البضائع الغربية. وكانت الحرفة هي التي تضمن استمرار التقاليد العامة وتقاليد الأحياء الخاصة التي يخضع لها الحرفيون في علاقاتهم الاجتماعية والعائلية، وكانوا بشكل أو بآخر تحت رعاية السلطة الدينية. وعندما هزت الصناعة الغربية أركان المجتمع القائم خسرت دمشق منافذها التقليدية، بل إنها خسرت نفسها وكل ما يمت إلى وجودها الذاتي بصلة. فالعدو داهمها في عقر دارها. وكان رفض الغرب هو الرد الأول عبر رفض وكلائه التجاريين. ولقد كان ذلك في رأي الأعيان والعلماء والحرفيين دفاعًا عن الوجود والنفوذ ولقمة العيش (10) .