ولتنفيذ سياسة القبضة الحديدية كان لابد للفئة الحاكمة في عاصمة الإمبراطورية العثمانية، أن تلعب على حبل التناقضات بين الطوائف المختلفة إسوة بالدول الأجنبية التي توازعت هذه الطوائف، فاتخذ الفرنسيون جانب مركزية الدولة العثمانية والصراعات الموارنة فيما برز البريطانيون بمظهر المدافع عن الدروز، فظهر الخلاف الدرزي الماروني على أشده في جبل لبنان فيما راحت الدولة العثمانية تستغل الأزمات الاقتصادية التي أصابت الحرفيين المسلمين في دمشق لتأجيج النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين (6) .
وفي الوقت ذاته، فإن تصميم الدولة العثمانية على فرض الحكم المركزي في بلاد الشام وفي مدينة دمشق بشكل خاص قد ساهم في إثارة أعيانها وعلمائها الذين اعتادوا منذ قرون طويلة على التصرف المستقل. وكان من الطبيعي أن تحدث هذه الأمور تطورات جديدة ومتلاحقة رافقت انهيار المؤسسات التي اعتاد عليها الدمشقيون، فنشبت من جراء ذلك أزمة حادة ذات جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية انفجرت في شهر تموز من عام 1860.
أحداث 1860 في دمشق:
ولقد أجمعت المصادر المختلفة أن السلطة العثمانية كانت وراء تلك الأحداث فلقد استغلت التناقضات بين الطوائف وأوعزت إلى ولاتها وضباطها في دمشق وصيدا وجبل لبنان بتأجيج الفتن.. فلقد أمر والي الشام ضباطه بإفساح المجال أمام المسلحين من الجنود والشرطة والأشقياء، فقاموا بالأعمال المشينة التي استنكرها جميع أبناء دمشق وتضافروا وقتئذ في مختلف أنحاء المدينة للتخفيف من آثار تلك الفتنة وإغاثة المتضررين (7) .