ومما لاشك فيه أن حدوث الثورة الصناعية في أوربا أدّى إلى بروز علاقات عالمية جديدة حتمت على الدولة العثمانية السعي للحاق بأوربا. وكان أول عمل هام لها في هذا السبيل هو تحديث الجيش. وهكذا تم القضاء على النظام الانكشاري وكان يضم طوائف شتى من الجنود المرتزقة وحل محلها بعدئذ فرق من الجيش النظامي وفق الأساليب العسكرية الغربية (3) .
وكان من نتائج وجود المصريين في بلاد الشام حدوث عدد من الإصلاحات الهامة. فأنشئت المدارس الحديثة وطبّقت المساواة التامة بين المسلمين والمسيحيين، واستطاع ابن المدينة توسيع أعماله في القرى، فيما راح يستثمر أرضه بفضل الأمن الذي ساد البلاد، كما تمت محاربة تعديات أهالي البادية على المدن. وشهدت البلاد لأول مرة إقامة المجالس المدنية والعسكرية وإنشاء مجلس للشورى يلتقي فيه أعضاء من جميع الطوائف وهكذا طرأت على بلاد الشام تبدلات أساسية خلال عقد من الزمن أصبح من العسير التراجع بعد أن عاد العثمانيون لحكم سورية في أول عام 1841. وقد شمل الإصلاح أيضًا الإدارة والقضاء، وفُتحت البلاد للمؤثرات الأجنبية (4) .
ومع تبوّء السلطان عبد المجيد الأول العرش العثماني في عام 1839 صدر أول مرسوم للإصلاحات نتيجة للضغوط الأجنبية، وكرد فعلٍ للإصلاحات التي أجراها إبراهيم باشا في بلاد الشام. وقد تلاه أيضًا مرسوم آخر في عام 1856 تم فيه الوعد بالمساواة بين المواطنين مهما كانت ديانتهم والتأكيد على مضمون المرسوم السابق. وكان الأمر البارز في هذه الإصلاحات أن الدولة أخذت بنظام الحكم المركزي، فشدّدت قبضتها على الولايات العربية القريبة التي أصبحت مرتبطة مباشرة بالعاصمة استانبول (5) .