وأما الحادث الآخر فهو تعاظم قوة محمد علي باشا في مصر. ولقد كان هذا الرجل الكبير يطمح إلى بناء دولة حديثة وكان إنسانًا عمليا. فعندما وجد أن لا مُستقبل للغة التركية في مصر انصرف إلى اللغة العربية، فجعلها لغةً للدولة والإدارة والتعليم، وبواسطة العربية تمت حركة النقل والترجمة، فأحيا بذلك اللغة العربية وكرّسها لغة رسمية وسائدة. ومن ثم أظهر استقلاليته عن الدولة العثمانية. كما أن الحملة التي أرسلها في صيف عام 1832 إلى بلاد الشام بقيادة ابنه إبراهيم باشا ذات دلالة تاريخية كبرى. فلقد كان هدف إبراهيم باشا إنشاء دولة عربية عصرية تقف سدًا منيعًا أمام مطامع الدول الكبرى. وهكذا شعرت الدول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا بخطورة اندفاع المصريين نحو المشرق العربي، فسارعت إلى دعوة الدول الأوربية للاجتماع في لندن حيث تم توقيع اتفاقية جائرة في 15/7/1840 بين بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا، فراح قناصلها في القاهرة يبلغون محمد علي باشا إنذارًا بوجوب الانسحاب من بلاد الشام، فلم تحرك فرنسا آنذاك ساكنًا لإغاثة الدولة العربية الناشئة بعد أن رعت خطواتها الأولى بل ساهمت في طرد المصرين من لبنان وبلاد الشام لأن تعاظم نفوذهم وقوتهم سوف يقضي أيضًا على المصالح الفرنسية... وإذا كانت تجربة تلك الدولة العربية قصيرة في عمر الزمن إلا أنها أشعرت المستعمرين الأوربيين بخطورة اندفاع المصريين نحو المشرق العربي فأبعدوهم زهاء قرن كامل، كما قاوم الغربيون بضراوة محاولة محمد علي باشا في التحديث وتأسيس دولة عصرية فكان ذلك من أكبر أسباب سقوطها وراحوا يخططون منذ ذلك الحين لزرع دولة يهودية في قلب الأمة العربية.
الإصلاحات: