وقبل أن أدخل في حديث مقتضب حول المسجد أود أن أقف وقفة قصيرة مع ملامح الفن العربي الذي أخذت معالمه تتشكل مع إطلالة فجر دولة بني أمية. وأود أن أقول بأمانة إن الملامح الأولى والأساسية لهذا الفن ولدت في دمشق حتى غدت هناك مدرسة فنية عالمية هي مدرسة الفن العربي الإسلامي، وأقول عالمية لأن ملامحها انتشرت خلال اثني عشر قرنًا على بلاد تمتد من الصين إلى المحيط الأطلسي، وكانت بداياتها مع العرب الأمويين ثم تطورت تبعًا للعصور والمؤثرات المحلية والمستوردة.
ولست أشك بأن هذا الفن هو ثمرة مشتركة بين الإسلام كدين ومعتقدات ومواقف من الحياة وشؤونها وما هو محرم وما هو محلل وبين الفتح وما أدى إليه من انضمام حضارات وثقافات لها تاريخها وتقاليدها ومنجزاتها الفنية إلى الإسلام، فتقيدت به واحترمت أوامره ونواهيه ومزجت كل ذلك مع الموروث العربي في بوتقة واحدة لتخرج فنًا متميزًا مازلنا نتفيأ ظلاله حتى اليوم وعلى طول هذه البقعة الواسعة من الأرض. وبكلمات قليلة أن ما نسميه بالفن العربي هو نتيجة تمازج عقائد الإسلام، وفنون العرب، بفنون فارس وبيزنطة وقبلها اليونان والرومان والذي جعل مؤرخي الفن يقررون وحدة الفن في العالم الإسلامي، هو ما وجدوه من صفات مشتركة وخصائص متشابهة بين فنون هذه الأمم التي دخلت في الإسلام وتبنت معتقداته. ثم إن بلاد الشام بخاصة كانت المعبر الدائم لمختلف الحضارات العالمية والبوتقة التي انصهرت فيها وتمازجت لتخرج فنًا فيه من الملامح العالمية، ومن الخصائص المحلية آنذاك ما يجعله فنًا فريدًا لا أجد مثالًا له خيرًا من مثال تدمر حيث تلاقت حضارات العالم القديم لتنتج روائع تدمر.
ولن أطيل فقد شهدت دمشق مولد هذا الفن العربي الإسلامي على يد الأمويين، وكانت أولى ثماره الجامع الأموي الذي بناه الوليد بن عبد الملك وغدا الدرة الثمينة في التاج الأموي.