فهرس الكتاب

الصفحة 12082 من 23694

بعد هذا العرض السريع لبعض مظاهر العمران في دمشق قبل الفتح، نعود لنقول إنه منذ السنوات الأولى لهذا الفتح أخذت دمشق تتحول تدريجيًا إلى مدينة عربية مسلمة. وحل الأمراء العرب وكبراؤهم في الدور والقصور التي أخلاها أصحابها البيزنطيون من حكام وقواد. وبذلك توزع المسلمون في جميع أنحاء المدينة، ولم يكن لهم آنذاك أحياء خاصة بهم وأخرى خاصة بالمسيحيين، كما سيحدث فيما بعد.

ودليلنا على ذلك أن ابن عساكر يعدد دورًا للصحابة كانت في محلتي باب توما وباب شرقي وهما من الأحياء المسيحية التقليدية. كما شارك المسلمون المسيحيين في المعبد القديم، فأصبح يضم كنيسة للنصارى في الجانب الغربي ومسجدًا للمسلمين في الجانب الشرقي، وأقيمت طقوس العبادتين في بناء واحد. وظلت هذه الحال من الجوار بين العبادتين أكثر من نصف قرن إلى أن شرع الخليفة الوليد بن عبد الملك في تحقيق مشروعه المعماري الضخم وبنى المسجد الأموي الذي سنتحدث عنه بعد قليل.

وإذا عدنا إلى ما ذكرناه آنفًا عن الصرحين الكبيرين اللذين يقعان على رأس قائمة المنجزات العمرانية زمن خلافة بني أمية لوجب أن نذكر أن معاوية اتخذ أول الأمر مقر إقامة الحاكم البيزنطي مقرًا له، واكتفى بإصلاح ما تهدم منه. ثم ما لبث بعد ذلك أن طوره وأضاف عليه المباني اللازمة للإدارة وشؤون الحكم، وهكذا أصبح المكان يعرف بدار الإمارة أو قصر الخضراء نسبة إلى القبة الخضراء، وموقعه قرب ما يعرف اليوم بسوق الصاغة في الجنوب الشرقي من الساحة التي كان يقوم عليها المعبد الذي سيغدو فيما بعد المسجد الأموي. وكانت إلى جوار الجدار الجنوبي للجامع ويتصل به بباب خاص. ويذكر ابن عساكر (المجلد الثاني- ص133) أنه"لما بنى معاوية الخضراء بدمشق، وهي دار الإمارة، بناها بالطوب، فلما فرغ منها قدم عليها رسول ملك الروم، فنظر إليها، فقال له معاوية: كيف ترى هذا البنيان؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت