ولست هنا في مجال الحديث عن الروايات العديدة التي تتحدث عن فتح العرب لدمشق أو مناقشتها وتفضيل بعضها على بعضها الآخر، ولكن الرواية الأكثر شيوعًا وقبولًا عند العديدين هي الرواية التي يعتمدها ابن عساكر والتي تقول إن فتح دمشق تم على يد خالد بن الوليد من جهة باب شرقي عنوة، وعلى يد أبي عبيدة بن الجراح الذي دخل المدينة سلمًا من جهة باب الجابية بعد أن أعطى الناس الأمان، والتقى القائدان الفاتحان وسط كنيسة المدينة. أما البلاذري صاحب فتوح البلدان، فيقول إن المدينة استسلمت لخالد عند باب شرقي دونما قتال، وإن أبا عبيدة دخلها عنوة من جهة باب الجابية، وأن القائدين التقيا عند البريص، في وسط الشارع المستقيم قرب كنيسة المقسلاط. وهناك نقاش طويل بين بعض الباحثين: عربًا وأجانب، حول موضوع فتح دمشق ولاسيما قضية اقتسامها، لما لهذا الأمر من صلة بموضوع بناء المسجد فيما بعد، مما لا نرى ضرورة للدخول في تفصيلاته. والمهم في الأمر أن المسلمين ضمنوا للمسيحيين حقهم بالاحتفاظ بأرضهم ومساكنهم وكنائسهم وسوى ذلك من ممتلكات على أن يدفعوا الجزية وسواها من الضرائب المقررة.
وفي ربيع عام 15هـ/ 636م قامت قوة يرأسها ثيوذوروس، شقيق الإمبراطور هيراكليوس، بالتوجه نحو دمشق لاستردادها من العرب المسلمين، فقام خالد بن الوليد بسحب جيوشه إلى موقع الجابية ومن ثم إلى اليرموك شرق بحيرة طبريا. وفي اليرموك جرت المعركة التي حسمت مصير دمشق، إذ استطاع خالد أن يهزم تجمع الجيوش الرومية وذلك يوم 12 رجب سنة 15 للهجرة الموافق لـ 20 آب سنة 636 للميلاد، وما لبث خالد بعد ذلك أن استدعي للمدينة وآلت مقاليد أمور دمشق إلى القائد الكبير أبي عبيدة بن الجراح. وخضعت المدينة مرة ثانية وأخيرة للحكم العربي الإسلامي وذلك في شهر ذي القعدة من عام 15 للهجرة الموافق لشهر كانون الأول من عام 636 للميلاد.