فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 23694

وعلى حين كنا نتعلم ونعلم في المدارس الابتدائية والثانوية نصوصًا تكسب الطالب مناعة أخلاقية، وترتفع بسلوكه إلى أفق إنساني هو من صميم تراثه، ألهينا عن ذلك بنماذج من النثر الحديث والشعر الحديث، قد يكون لها بعض الطرافة، ولكنها بعيدة عن الهدف التربوي الأصيل الذي هو شد الطلاب إلى المثل العليا أو تقديم التجارب الإنسانية الكلية لهم، في مثل هذه القوالب التي أطلقنا عليها، تزهيدًا بها، شعر الحكمة.

وحتى الشعراء الذين لم تستطع حملات التشكيك أن تنال من مكانتهم الأدبية لم نعد نختار لهم مثل الذي كنا نختار، مما يدفع بالطالب إلى السمو وطلب الرفعة وتجنب التبذل وصيانة القيم.. وإنما أخذنا نختار لهم أضعف نصوصهم باسم التسهيل حينًا.. وباسم بعض القيم الفنية الجديدة حينًا آخر.. لم يعد فخر المتنبي ولا مديحه، ولا انطلاقات أبي تمام ولا زهديات أبي العتاهية هي التي تجتذبنا..

وقد أخذنا بتدريس شعر السياسة والعصبيات والفرق والصعاليك بكل ما يخلف للنفس العربية من جروح وتخلخل وتناقضات وبكل ما يثير من أحقاد سامة وخلق عقيم غير منتج.

ولو أننا نظرنا نظرة منصفة لكان لنا موقف أكثر إنصافًا، موقف لا يضحي بالقيم الأخلاقية ولا بالقيم الجمالية ولا بالقيم الفنية، ولا يدفع بالجيل إلى أن يتذبذب قبل أن يتحصرم، ولا يضعه على حافة الهاوية.. وإنما يجد في التراث ضالته دون أن يزهده به أو يصرفه عنه.

لست أدري إذا كان الأستاذ عبد المعين الملوحي حين أختار شرح مختارات عبد الله فكري (نظم اللآل في الحكم والأمثال) قد قصد قصدًا إلى شيء من ذلك.. ولكن عمله، على أية حال، نوع من التوجه السليم لا نملك إلا أن نشكره عليه...

إننا ونحن على أبواب المعارك الفاصلة جديرون بأن نفكر دائمًا بمردود كل ما نعلم وما نتعلم.. أن نضع مصير الجديد أمانة في أيدينا.. وحين ندرك عمق الأمانة وخطورة المسؤولية، فمن المؤكد أننا سنعيد النظر في كثير مما انجرفنا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت