كان من جملة ما حورب به الشعر العربي نزعته هذه الحكمية.. وصلة ما بين الحكمة والخلق في كياننا الفكري، دفعت بهذه الحملة الظالمة أن تنال من النزعات الأخلاقية في هذا الشعر.. فأطلقت عليه أسماء وأضافت إليه صفات.. قالت عنه أنه شعر الوعظ، وقالت إنه شعر الخمود العاطفي، ورمي بالجفاف والنزعة المنطقية، وهي ليست من الشعر في شيء.. وبلغ من شدة هذه الحملة وتأثيرها إننا جردنا كتب الطلاب في المدارس: كتب القراءة وكتب الاستظهار من مثل هذه النماذج الحكمية والأخلاقية، وساورنا الخوف من تهمة الجمود وبلادة الذوق فعزفنا عن وضعها موضع التداول.. وعلى حين كان هذا الشعر ديوان العرب وكان الخليفة الثاني الفاروق يحض على روايته، وعلى حين كان الطفل ينشأ على ما في هذا الشعر من مثل وأخلاقية، وعلى حين اختزن تصوراتنا وتطلعاتنا وتجاربنا عبر القرون - فإن هذه الحملات الظالمة التي أشرت إليها زرعت التشكيك في نفوسنا متذوقين ومؤلفين، وحرمت أجيالًا متلاحقة من أن تتفاعل مع النماذج الرافعة لهذا الشعر، وأنسينا الهدف الأخلاقي والتربوي لنملأ أذهان الأطفال والطلاب بلغو من الكلام، لا تتوافر له لا القيم الفنية ولا القيم الأخلاقية.. بل إن المعلم ليعجز عن تقريبه للطلاب.. فإذا الذي يبقى في نفوسهم منه بقع مظلمة لا لون لها ولا خطوط لها.
والذي يراجع اليوم كتب التعليم الابتدائي والمتوسط يدرك أي انحراف صارت إليه النصوص الأدبية بعدًا عن مثل هذه النماذج، وانصرافًا عنها، ومباعدة بين الجيل العربي والتاريخ العربي.