هل قلت أن الحكمة تعبير تجربة؟.. لقد أخطأت إذن، أو لعلي جانبت الدقة.. وإنما أردت أن أقول أنها تعبير عن تجارب.. وعلى نحو ما تتجمع المياه في باطن الأرض مارة بطبقات وتتصفى لتستحيل ينبوعًا، كذلك أمر شعر الحكمة.. إنه تكثيف لمجموعات من التجارب، بعضها ناشئ عن معاناة ذاتية حسية، وبعضها ناشئ عن معاناة تأملية نظرية.. ثم يكون تفجرها هذا بعد.
إننا، هنا، نضع أيدينا على الفارق الكبير بين الشعر العربي في جملته قبل أن تداخله النزعات المحدثة، وبين الشعر العربي الذي غلبت عليه هذه النزعات.
في شعرنا الذي كان يغيب الحدث لتتمثل نتائجه أو أفكاره التي يطرحها.. قد يظهر من الحدث بعض صوره وتفاصيله.. ولكننا لا ننطلق من التفاصيل.. الشاعر قد يزين بهذه التفاصيل عمله الفني، يداخله بين أجزائه.. ولكن يظل هذا (الكل) هو الذي يجتذب الشاعر.. الجزئيات الصغيرة هي موطن تنبه، وموطن توقفه، وموطن اهتمامه، وانفعاله بها وتفاعله معها.. ولكن يظل يجاوز هذه التفاصيل في كليات.. أو يساوره الحرص على ذلك.. وهي كليات صغيرة حينًا أو هي كليات كبرى حينًا آخر.
إننا نتهم أحيانًا بضيق الأفق في أعمالنا الفنية في الشعر العربي، وذلك حين يقال لنا إن الفكرة أو الكلية تستبد بها فتحجب عنها آفاقًا صغيرة موجبة.. ولعل ذلك وهم يقع فيه الباحثون.. فالخنساء لم تنس ملمحًا من ملامح معاناة الناقة التي فقدت رضيعها والتي أخذت تلوب عليه هنا وهناك -حين أرادت (الشاعرة) أن تصور وجدها على فقد أخيها وأن تمثل له بوجد الناقة التي أبعدوا عنها رضيعها وصنعوا لها رضيعًا من قش، استدرارًا للبنها أن يفيض:
وما عجول على بوٍّ تطيف به
ترتع ما رتعت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يومًا- بأوجد مني حين فارقني ... صخر، وللدهر إحلاء وإمرار
ولك أن تتجاوب ما شئت مع هذا الإيقاع الحزين المتكرر الذي أحكمت الصياغة التعبير عنه: إصغار وإكبار، وإقبال وإدبار، وإحلاء وامرار...