فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 23694

أوشك أن أقول إن الحكم والأمثال هي بعض ما يمتاز به شعرنا العربي.. إننا لا نسوق الانفعال هلاميًا ضبابيًا لا شكل له، ولكن شعراءنا يحاولون أن يجدوا لهذا الانفعال ركيزته المادية إن صح التعبير أو معادله المادي إن شئت.. ففي ذروة انفعال شعرائنا الغزليين، حين تحلق بهم عواطفهم إلى أسمى سمات الوجود الذاتي والوجد النفسي، يلتمع هذا التيار العقلي الملون على شكل حكمة معبرة، كما يلتمع البرق على صفحة السماء، ونسمي نحن هذه الحكمة -حين جمدنا العمل الفني في تسميات: التذييل...

وقد كان جميل في عنوان انفعاله، مما يعاني من الناس ومن صاحبته بثينة، ولكنه لم يصغ انفعاله حادثة، ولم يصغه تأوهًا، ولم يعبر عنه بهذه الأشكال المحترقة وإنما استطاع أن يغلفه بهذا الأداء الهادئ- المضطرم إن صحت هذه المزاوجة:

كذلك كان أبو تمام في عمق أعماق تجربته الذاتية مع الناس ومع المجتمع من حوله.. كان مع صدام الخير والشر، مع تجاور الحسد والضغينة والمنافسة، مع لقاء العاجزين والحاسدين، مع الفضائل الكامنة والحسد الظاهر.. ولكنه لم يقص علينا قصة ذلك ولم يحك لنا حديثًا بذاته أو واقعة بعينها.. وإنما ترك هذه المعاناة تتجمع ثم تتجمع، وتتكثف ثم تتكثف، ثم تتفجر بعد ذلك على هذا النحو الذي داخلته القوى العقلية وإن كان غاصًا بالانفعال الإنساني وجملة التجارب الذاتية، فقال:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

لولا اشتعال النار فيما حولها ... ما كان يعرف طيب عرف العود

ولك أن تلاحظ كيف استعمل لسان الحسود ولسان النار، وكيف اشتركا، وهما ما هما سوءًا، في الكشف عن الخبيء الطيِّب الكامن في الخلق أو من الطِّيب. ... لها حنينان إصغار وإكبار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت