فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 23694

ألم تكن الحكمة يسوقها والمثل يضربه سبيلًا إلى أن يفتأ ذلك كله بهذا البيت:

ولست بمستبق أخًا لا تلمُّه

وشعر الأمثال استطالة لشعر الحكمة وتكثيف له.. لأنه يجمع الفكرة والصورة، ويلتقي عليه العقل والمخيلة.. إن وراء المثل الذي يضربه الشاعر حادثة كذلك.. ولكن الشاعر ينسى الحادثة أو هي تتوارى عنه يغرمها في داخله ويترك لها أن تتفاعل مع كل ما في هذا العالم الداخلي مما نعرف أقله ونجهل أكثره.. ثم -في مثل الفجاءة- لا يلبث أن يطفو على السطح هذا المثل الذي يضربه، وهذه البنية الفنية التي يبنيها وهذه الصيغة التي يصوغها والتي يترك لنا أن نتمثل الحدث ذاته وكل حدث آخر مشابه له أو مقارب. ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد

أبو تمام حين ساوره الانفعال بالهجرة والسفر وأقلقه سكونه، ولم يشأ أن يلقي إلينا بذات فكره أو ذات نفسه في صيغة محررة كهذه التي يلقيها الواعظ أحيانًا.. لا يكون بدأ بذلك، بدأ بالفكرة.. ولكنه سرعان ما قفز عن طريق المثل الذي ضربه إلى الشعر أن الفكرة هي الفكرة:

وطول مقام المرء في الحيّ مخلقٌ

ولكن المثل كان هو الصيغة الفنية التي يمكن أن تجسد هذه الفكرة وأن تنطوي في ثناياها على ما لا نهاية له من الأوضاع المماثلة: ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة

ويظل الشاعر، وهو في نطاق الحكمة والمثل، مشدودًا إلى تجربة وإلى عنصر العامل أو الفكر في هذه التجربة.. ولكنه لا بد له من أن يغادر ذلك إلى نوع من الانفعال الفني الذي تعبر عنه الصورة التي يرسمها والمثل الذي يضربه. ... طويت أتاح لها لسان حسود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت