ورد في التنزيل تشبيهات لا في مقام الاستدلال على وجود شيء أو إثبات حكم لموضوع؛ بل في مقام التوضيح والتبيين اللذين لا ينحصران في الحالات المعدودة التي ذكرت في كتب البلاغة؛ بل يشملانها وغيرها مما وجدت إلى بعضه سبيلًا؛ منه:
1 ـ تقريب المعنى إلى نفس المخاطب وتصويره في خياله، وذلك في مقام وصف نعيم الآخرة أو عذابها وما أعد فيها للمطيعين وأصحاب الجنة أو العاصين وأصحاب النار؛ فبما أن أنواع النعمة أو العذاب في الآخرة لا تكون من جنس نعيم الدنيا أو عذابها، فلا يمكن تشبيه إحداهما بالأخرى إلا على سبيل التقريب؛ كوصف الحور والغلمان والأكواب والآنية وغيرها (35) .
2 ـ التسوية بين الشيئين المماثلين في الحكم أو الأثر (36) .
3 ـ المكافأة والمجازاة.
ولا يفيد هذا المعنى من أدوات التشبيه إلا"الكاف"نحو قوله ـ تعالى: (وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا (( 37) ، وقوله ـ سبحانه ـ: (وأحسن كما أحسن الله إليك (( 38) ، وقوله ـ عز وجل ـ: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا (( 39) ، و (40) .
هذه هي بعض ما استطعت أن أجد له سبيلًا من الأغراض البيانية المصوغ لها بعض التشبيهات القرآنية، ولعلنا إذا أنعمنا النظر في كلام الله ـ سبحانه ـ نستطيع أن نكشف النقاب عن بعضها الآخر.
وكما أشرنا سابقًا لم يهتم علماء البلاغة في بحثهم عن تشبيهات القرآن إلا بالتشبيهات البيانية، سواء في بحوثهم العامة عن البلاغة، أو فيما خصوه ببلاغة القرآن وتشبيهاته؛ وممن خصص كتابًا بها ابن ناقيا البغدادي الذي سبق ذكره وذكر كتابه"الجمان في تشبيهات القرآن".