فقد نفى لله حكم المساواة والمماثلة بين طرفي التشبيه المفروض وقرن به العلّة وهي تضادّ الطرفين في أن المشبه المفروض قادر على الخلق والمشبه به المفروض غير قادر عليه؛ فينتفي بذلك المشابهة (21) ، فعلى هذا لا نحتاج إلى تكلف حمل التشبيه في الآية الكريمة على التشبيه المقلوب حسب زعم المخاطبين بالآية وهم المشركون (22) ؛ لأن الكلام ليس في مقام ترجيح أحد طرفي التشبيه، بل في مقام افتراض تسوية المخلوق بالخالق والأصنام والأوثان برب العالمين ونفيها بالاستفهام الإنكاري.
ويعضد ما بينّاه من معنى التشبيه في الآية قوله ـ تعالى ـ في سورة أخرى (أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ (( 23) فقد بيّن الله ـ تعالى ـ أنَّ ما يمكن أن يجعل علة لاتخاذ شريك له في العباد هو القدرة على الخلق، وهي منتفية من المخلوق بالوجدان والبداهة، وهذه العلة هي نفس ما يشعر به قوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلِقُ(، وقوله بعد آية: (والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلِقُونَ شَيْئًَا وهُمْ يُخْلَقُون (( 24) ، وكذلك يقوّي ما ذكرناه قوله ـ تعالى ـ حكاية عن المشركين مخاطبين آلِهَتَهم ـ: (تاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِيِ ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (( 25) .
3 ـ إثبات المعاد بالتشبيه البرهاني:
ألف: قيس العود بالبدء؛ كما في قوله ـ تعالى ـ: (كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُون (( 36) ، فيؤوّل الكلام إلى:"عودكم ممكن ومحقق في المستقبل؛ لأن خلقكم أول مرة كان جائزًا وقد تحقق"، فقد شبه العود بالبدء في الحكم بجوازه وإمكانه بسبب أمر مشترك بينهما، وهو استغراب الوجود في البدء والعود أولًا وإزالته بالتعقل والتفكر في قدرة الله التي بها يزول كل استغراب وإليها ينتهي أمر كل خلق.
وجاء في القرآن آي أخرى قد قيس فيها أمر العود بالبدء بالتشبيه البرهاني؛ منها: