فهرس الكتاب

الصفحة 11806 من 23694

ألف ـ أما استعماله لإثبات الحقائق، فيجب القول بأن هذا النوع مع ماله من الأهمية في البحث عن الأساليب البيانية في كلام الله ـ سبحانه ـ لم يحظ بعناية من علماء البلاغة، ولم يعيروه اهتمامًا أو أغفلوا عنه، فهذا العالم الفاضل البارع ابن ناقيا البغدادي قد ألَّف كتاب"الجمان في تشبيهات القرآن"، ولم يذكر شيئًا من تشبيهاته البرهانية.

ولعل السبب الذي حمل ابن تاقيا ومن حذا حذوه أن يترك هذا النوع هو أن البحث عن بلاغة القرآن وإعجازه البياني يستلزم المقايسة والمقارنة وبالتالي تنزيه كلام الله ـ تعالى ـ عن أن يكون له نظير أو شبيه من كلام البشر، وما يوجد في كلام فصحاء العرب وشعرائهم إنما يكون غالبًا من نوع التشبيه البياني؛ ولذلك صرف البلاغيون جلَّ اهتمامهم إلى الكشف عن بدائع التشبيهات البيانية دون البرهانية منها.

ومهما يك من أمر هؤلاء العلماء وتركهم التشبيهات البرهانية فقد وقع في روعي أن أفكر فيها وأبحث عنها وأفتح طريقًا جديدًا أمام الملمين بتشبيهات التنزيل العزيز.

ولا يمكنني في هذا المقال أن أفصِّل القول فيها، ولذلك أحاول أن أعرض على القارئ الكريم نماذج منها في الموضوعات المختلفة كالآتي:

1 ـ إثبات توحيد الله ـ سبحانه ـ بالتشبيه البرهاني:

من الواضح أن إثبات التوحيد بالتشبيه البرهاني لا يتأتّى إلا في القضية السالبة لا الموجبة؛ لأنه ـ تعالى ـ بالبرهان العقلي وبالدليل النقلي كما في قوله ـ سبحانه ـ: (ليس كمثله شيء لله(19) تنزه عن أن يكون له مثل أو نظير فكيف يمكن إثبات وحدانيته بالقياس إلى غيره قياسًا إيجابيًا. أما إثبات توحيده بالتشبيه البرهاني وفي قضية سالبة تقرن بدليل ينفي المشابهة والمماثلة بين الله وغيره فهذا أمر ممكن؛ ومما جاء منه في كلام الله تعالى قوله: (أفمن يخلق كمن لا يخلق... (( 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت