وإذا كان المخاطب غبيًا بليدًا ترعى مقتضى حاله وتأتي بتشبيه بسيط كي يفهم المعنى، وكلما كان أغبى زدت في وضوح التشبيه، وإن كان المخاطب ذكيًا متوقدًا وتريد أن تسبر غور فهمه وذكائه أو تثير إعجابه وتحسينه، فتأتي له بتشبيه يحتاج إلى التأوّل الذي يتطلب تأمل المخاطب ودقته وهو ما يسمى بالتمثيل3. ويقول الإمام الجرجاني في البحث عنه ما ملخصه:"ثم إن ما طريقه التأويل يتفاوت تفاوتًا شديدًا فمنه مايقرب مأخذه ويسهل الوصول إليه ويعطي المقادة (17) ، طوعًا حتى أنه يكاد يداخل الضرب الأول [وهو التشبيه الذي لا يحتاج إلى التأول] مثل تشبيه الحجة بالشمس في إزالة الحجاب، ومنها ما يحتاج فيه إلى شيء من التلطّف وهو أدخل قليلًا في حقيقة التأول وأقوى حالًا في الحاجة إليه، كما في تشبيه ألفاظ الكلام بالعسل في الحلاوة، ومنه ما تقوى فيه الحاجة إلى التأول حتى لا يعرف المقصود من التشبيه فيه ببديهة السّماع كقول القائل:"هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها" (18) ."
وصفوة القول في هذا القسم أن التشبيه يستخدم إما كبرهان لإثبات المدعى وهوما يسمى في علم المنطق بالتمثيل ويمكن أن يسمى في علم البلاغة بالتشبيه البرهاني وإما كأحسن أداة لإيضاح المعنى المقصود وهو مايمكن أن يسمى بالتشبيه البياني.
وبعد هذا البحث الموجز حول الغرضين الرئيسيين للتشبيه آن لنا أن ندخل صميم الموضوع، وهو بلاغة التشبيه في القرآن الكريم كما وعدنا أن نبحث عنه في:
القسم الثاني: استعمال التشبيه في القرآن:
1 ـ لإثبات الحقائق.
2 ـ ولتوضيح المعنى.