أرى أن أصل هذه الكلمة هو الأكدية (دين) المذكورة في وثائق من مراحل تاريخية مختلفة، وينظم بينها سياق دلالي معنوي واحد هو"حق قانوني، قضية، قرار إلهي أو قانوني". و (بيت ديني) يعني المحكمة وبيت القضاء. ومن مشتقاتها أيضًا (ديّان) بمعنى"القاضي"، والفعل دان"قضى وحكم". وجاء في نص من نصوص ماري (مدنية) بمعنى القضاء والمنطقة الإدارية (ARM. 26. 483, 4; N.A.B.U.1987. 81) .
وترد بالدلالة العامة نفسها في عدد من اللغات السامية الأخرى كالأوغاريتية والآرامية (المندعية والسريانية) والعبرية والعربية الجنوبية واللهجات الحبشية، وفي العربية الديّان من أسماء الله عزَّ وجلّ، معناه الحكم القاضي.
فالمفردة تدل في اللغات السامية على الحكم والقرار، ويرتبط ذلك بمؤسسة إدارية هي المحكمة التي تقع في مركز يتميز بوجودها فيه؛ أعني المدننة. فثمة علاقة واضحة بين مفهومي المدينة والمحكمة. وما زالت كلمة (قضاء) ، تطلق على المدينة ومنطقتها الإدارية، ووجود مركز القضاء والحكم علامة تمييز أساسية بين المدينة و القرية.
أما المعنى الديني الخاص فقد ظهر حقًا في الوثائق الإيرانية القديمة كالآفستا والنقوش البهلوية. ويرى جفري أنه ربما تكون مأخوذة من العيلامية، ولكننا نستبعد ذلك لوجود فاصل زمني تاريخي بين العيلامية واللغات الإيرانية المذكورة، ونرجح أن يكون الإيرانيون القدماء، قد استعاروها من الأكدية في مراحلها المتأخرة؛ عندما غدت لغة الطقوس الدينية بالدرجة الأولى، وربما من الآرامية. بعد ذلك خصصوا دلالتها، وتوسعوا في استخدامها بالإطار الديني المحدد في الكتابات البهلوية (250 ق.م ـ 226 م) ، فالساسانية (22م ـ الفتح الإسلامي) . وبهذه الدلالة انتقلت إلى العربية.
زَبِّيل:"سلة" (ص89 آ) :