وفي مدينة الزهراء"البحيرة العظمى"غير ما فيها من البرك المتعددة، وفي مياهها من صنوف الأسماك والحيتان الألوف الكثيرة، وكانوا يقدرون عدد الخبز الذي يُرمى لهذه الحيتان والأسماك باثني عشر ألف خبزة في كل يوم، وينقع لها من الحمص ستة أقفزة يوميًا.
وقصور الحرم في الزهراء هي غير ما وصفناه في مجالس الدولة، وقد تزيد عن هذه عظمة ورونقًا. وقد ذكر ابن العربي في محاضرة الأبرار، على أن صورة"الزهراء"زوجة الناصر كانت منقوشة على باب القصر. وفي الزهراء حمامان أحدهما للقصر، والثاني لعامة الناس.
وفيها محلات للحيوانات فسيحة الفناء، ومحلات للطيور مظللة (22) بالشباك.
وفيها دور الصناعة والآلات: آلات السلاح للحرب، والحلي للزينة، ومصانع التماثيل والنحت والزخارف، وغير ذلك من المهن والصناعات.
ولم تخل الزهراء إلى جانب هذه الأمكنة الراقية من سجن يسمى"المطبق" (23) .
كيفية بناء الزهراء
أراد الناصر لدين الله أن يجعل بنيانه على أساس التقوى، فأنشأ المسجد الجامع سابق الذكر، الذي كان يعمل في بنائه من الصناع المهرة كل يوم ألف نسمة، منها 300 بناء و 200 نجار و 500 من الأجراء وسائر الصناع، مما ساعد على إنجاز بنائه في ثمانية وأربعين يومًا (24) وهي فترة إنجاز قصيرة لمشروع ضخم كهذا المسجد. وقد وضع المنبر في مكانه من هذا المسجد عند إكماله يوم الخميس لتسع بقين من شعبان سنة 329هـ- 941م، وأول من صلى فيه الناصر لدين الله، وأول من خطب فيه القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي عيسى.