فهرس الكتاب

الصفحة 11758 من 23694

وقد تخير الناصر لدين الله للخطابة على منبر الزهراء خطيبًا عرف بالتقى والصراحة بقول الحق والجهر به، دون شعور بالخوف أو حاجة إلى محاباة أو شطط أو غير ذلك من هذا القبيل، هذا الخطيب هو القاضي منذر بن سعيد البلوطي، الذي عرف عن كلامه المتزن، وعبارته الجزلة المتقنة. وكان له في انتقاد أعمال الدولة كلام يلقيه من منبر الزهراء هذا على مسمع الخليفة في محضر الناس، فيتلقاه الخليفة بالرضى والقبول والخشوع لله، ولو أُلقي مثله على أكثر الحكام تسامحًا وديمقراطية في الأمم الأخرى، لكان أقل ما يعاقب به قائله العزل والتضييق (19) .

وكانت خزانة الكتب العلمية في مدينة الزهراء أيام الخليفة الحكم المستنصر من أعظم خزائن الأرض آنذاك. فقد روى تليد الفتى القيّم على هذه الخزانة، أن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب 44 فهرسة في كل فهرسة 20 ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط (20) وساعد على ذلك اهتمام الخليفة الحكم المستنصر بالعلم بصورة مميزة عن جميع حكام الأندلس، فقد كان عالمًا نبيهًا صافي السريرة. أخذ العلم عن قاسم بن أصبغ وأحمد بن رحيم ومحمد بن عبد السلام والخشني وزكريا بن خطاب، وأجاز له ثابت بن قاسم، وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء، وكان يستجلب المصنفات العلمية من الأقاليم والبلدان باذلًا فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت عنها خزائنه. وكان ذا حب بها، قد آثر ذلك على لذات الملوك، وتميز بصورة خاصة في معرفة الرجال والأخبار والأنساب، وكان ثقة فيما ينقله ويقوله في هذا الميدان. وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان، ويكتب نسب المؤلف ومولده ووفاته، ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت