وفي الزهراء أيضًا المجلس المسمى"قصر الخلافة" (16) وكان سمكه من الذهب الرخام الغليظ الصافي لونه، من مختلف الأجناس وكانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك. وجعلت في وسطه"اليتيمة"التي أتحف الناصر بها (أليون) ملك القسطنطينية، وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة. وفي وسط مجلس الخلافة حوض عظيم مملوء بالزئبق. وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجوهر، قامت على سواري من الرخام الملون والبللور الصافي، وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار. وكان الناصر لدين الله، إذا شاء أن يفزع أحدًا من أهل مجلسه، أومأ إلى أحد مواليه فيحرك الزئبق فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور، ويأخذ بمجامع القلوب حتى يخيل لكل من في المجلس أن المكان قد طار بهم ما دام الزئبق يتحرك (17) .
وللقصر مسجد جامع مؤلف من خمسة أبهاء رائعة الصنعة فريدة في ذلك، طوله من القبلة إلى الجوف -عدا المقصورة- 30 ذراعًا وعرض البهو الأوسط من أبهائه من الشرق إلى الغرب 13 ذراعًا، وعرض كل بهو من الأبهاء الأربعة المكتنفة له 12 ذراعًا، وطول صحنه المكشوف من القبلة إلى الجوف 43 ذراعًا، وعرضه من الشرق إلى الغرب 41 ذراعًا. وجميعه مفروش بالرخام ذي اللون الخمري، وفي وسطه فوارة يجري فيها الماء. فطول هذا المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف -عدا المحراب -97 ذراعًا، وعرضه من الشرق إلى الغرب 59 ذراعًا. وطول صومعته في الهواء 40 ذراعًا وعرضها 10 أذرع في مثلها. ومنبره جميل في غاية الحسن والروعة، كانت حوله مقصورة دقيقة الصنعة والتصميم (18) .