وقبل ذلك كانت جميع الدول المستقلة في المغرب العربي (5) ، قد سقطت تحت ضربات الفاطميين، الذين أعلنوا أنفسهم خلفاء هناك، مما شجع الناصر لدين الله في الأندلس، على إعلان الخلافة الأمومية فيها، وأقره على ذلك جميع علماء الأندلس ومفكروها (6) فتلقب بألقاب الخلافة، التي كان لها رونق مميز أخذته من العلم والعمران، وهيبة حاطتها بها نجاحات الجيوش وعزة السلطان، فوصلت عساكر الأندلس إلى مواقع متقدمة من بلاد الفرنجة في عهد الناصر لدين الله، لم تتمكن من أن تصلها في أيام جده عبد الله ومدت إليه أمم أوربا يد الإذعان، وأوفدوا عليه هداياهم وسفاراتهم من روما والقسطنطينية من أجل الحصول على السلام والمهادنة، ووصل إلى حيث إقامته في قرطبة ملوك الأندلس المتاخمون لبلاده، فقبَّلوا يده وطلبوا رضاه، واستمال إلى طاعته الأدارسة في المغرب الأقصى وملوك زناتة (7) .
وهكذا بعد مرور ربع قرن تقريبًا على تسلّم الناصر لدين الله سدة الحكم العربي في الأندلس، ماتت سرية له فتركت مالًا كثيرًا جدًا (8) فأمر الناصر أن يفك بذلك المال أسرى من العرب المسلمين، وطلب في بلاد الفرنجة أسيرًا فلم يجد، فشكر الله على ذلك. وكانت الرغبة في العمران مستقرة يومئذ في قلوب رجال الدولة العربية الإسلامية وعقولهم، فقالت له الزهراء زوجته:"اشتهيت لو بنيت لي مدينة سميتها باسمي وتكون خاصة لي"فكان ذلك أحد الأسباب القوية في دفع الناصر إلى البدء بعملية بناء مدينة الزهراء. وأما السبب الرئيسي في ذلك فيعود إلى رغبة أكيدة تولدت عند الناصر لدين الله، يخلد نفسه من خلالها، ولابد أن هذه الرغبة تطورت أكثر بعد إعلان نفسه خليفة، الأمر الذي يفرض عليه أن يحيط نفسه بأبهة معينة من قصور وبناء للخدم والحشم والنساء، ورجال الدولة من وزراء وغيرهم.