ويشير القفطي إلى أن الحاكم أرسل إليه أموالًا وهدايا يرغبه فيها للحضور إلى مصر، وخرج لاستقباله فالتقاه خارج القاهرة وأكرم وفادته، فخرج ابن الهيثم وتتبع مجرى النيل حتى وصل إلى أسوان وتجاوزها إلى موضع يعرف بالجنادل، لكنه لم يجد ما رآه يتفق وفكرته الهندسية، فعاد إلى القاهرة واعتذر من الحاكم الذي ولاّه منصبًا من مناصب الدولة، فقبل به ابن الهيثم مسايرة للخليفة وخوفًا من نزواته.
ويرجح دارسو الحسن بن الهيثم أنه كان يفكر في بناء خزّان أو سدّ على النيل يجمع وراءه المياه فتستفيد مصر منها في موسم التحاريق، بدليل أنه أخذ معه في رحلته صناعًا محترفين لأعمال البناء.
ويروي القفطي أن الحسن لم يتمكن من التخلص من المنصب الذي أسنده إليه الحاكم إلا بادعاء الجنون، فأشاع ذلك عن نفسه حتى بلغ الحاكم، فعزله، وصادر أمواله، وأمر بحبسه، ولبث ابن الهيثم على تلك الحال إلى أن توفي الحاكم، فعاد إلى الظهور والاشتغال في العلم.
ومن الراجح أن اسم ابن الهيثم ظل مغمورًا في الشرق بسبب محنة المغول والتتر التي طغت أحداثها على ذكره، وأن الذين ترجموا كتبه إلى اللاتينية أغفلوا اسمه مما حجب شهرته.
ويشير أبو الثناء الشيرازي المتوفى (1236) م إشارة عابرة إلى أنه قد رأى في صباه بعض خزائن الكتب بفارس، ومن بينها كتاب"المناظر"لابن الهيثم، ومن الدواعي التي تذكر عن إهمال ذكره أنه اتصل بالفاطميين فحُسب عليهم، فلم ينل من الشهرة، بسبب التعصب، ما ناله ابن سينا والبيروني (6) . إلا أن جهده العلمي وفضله قد أبيا إلا أن يظهرهما التاريخ، فنوّه بذكره (جوزف هلن) في مؤلفه عن الحضارة الإسلامية، وكتب عنه (جورج سارتون) وهو من أبرز مؤرخي العلم في عصرنا وعدّه أعظم عالم فيزيائي وأكبر العلماء الذين بحثوا في البصريات عبر العصور، وأشاد بذكره (كاجوري) ورأى أنه أول طبيب وصف العين.