لذلك ومما تقدم من شواهد قيمة نستنتج أننا في دراسة سبر أغوار حياة وشخصيات أمراء الزنكيين والأيوبيين والمماليك الذين دحروا الصليبيين والتتار نجد ناحية التصوف واضحة جلية لا تقبل مجالًا للشك أو الريب فقد كانوا جميعًا نسيجًا روحيًا واحدًا رغم تباين قبائلهم واختلاف شعوبهم ولا غرابة في ذلك فقد أصبح التصوف -كما أشرنا آنفًا- خلال العصرين الأيوبي والمملوكي يعبِّر عن الدين الخالص والتمسك الدقيق بالشريعة والحقيقة.
وإذا كان لكل عظيم مكونات ومؤثرات لعبت دورًا مهمًا في نجاحه فإن الفضل الأول في انتصارات نور الدين وصلاح الدين والمظفر غازي والظاهر بيبرس وابن تومرت في المغرب يرجع إلى عاملين: عامل مادي يبينه قوله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" (الأنفال -60) وعامل روحي هو نشوؤهم في بيئة زرعت في قلوبهم حب التصوف ورجالاته العارفين فعلموهم حقيقة الاعتقاد وفضيلة الصبر والمصابرة والتضحية بالنفس والنفيس وطلب الفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة فكانوا بذلك هم الجذور التي أنبتت أشجارًا باسقة لا تهزها ريح ولا تنال منها عاصفة ولا نزال نحن ننعم بثمار هذه الأشجار حتى الآن. ومهمة الجذور دائمًا بعيدة عن الأعين لأنها لو برزت إلى السطح لضاعت منها قوتها الفاعلة والتاريخ الحق هو البحث عن الجذور وعدم الإصغاء إلى الذين يحاولون تزييف الحقيقة وإظهار التصوف بأنه ضعف وخنوع وكسل بهدف القيام بمهمة تفريغ الحضارة الإسلامية من مضمونها الروحي وهم يعلمون حق اليقين أن التصوف هو روح الإسلام وهو قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضّاءة المشرقة.