وجدير بالذكر أن الاهتمام بالكتابة عن التراث الإسلامي بشكل عام والتراث الصوفي بشكل خاص من قبل المستشرقين (78) ظهر في أعقاب الحروب الصليبية التي أوجدت حاجة ملحة من قبل المستعمرين للتعرف على سر انتصارات المسلمين فتوصلوا أن ذلك سببه الوحدة وأن التصوف هو الاتحاد الحقيقي الذي جمع القلوب.
ولا ننكر أنه ظهر خلال العصور المتوالية بعض الأفراد والجماعات من أدعياء الطريق الصوفي تشبهوا بالقوم في الزي والهيئة وهم شينٌ عليهم كما تشبهت بالفقهاء العاملين أقوام قاصرون فكانوا بدورهم شينًا عليهم ولم تزل كل طائفة من طوائف الناس فيهم الصالحون وفيهم الفاسدون ولقد حذّر علماء التصوف قديمًا وحديثًا من هؤلاء الكاذبين المنحرفين كالتاج السبكي حين قال:"إذا علمت أن خاصة الخلق هم الصوفية فاعلم أنهم قد تشبه بهم أقوام ليسوا منهم فأوجب تشبه أولاء سوء الظن" (79) .
وقد حكم البعض على التصوف من خلال هؤلاء الشاذين والتصوف منهم براء ويبدو أن التصوف في المغرب (في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) كان أحسن حالًا مما كان عليه في المشرق. نفهم ذلك من خلال حديث أحد علماء صوفية المغرب وهو علي بن ميمون (ت 917هـ) الذي زار المشرق فأنكر بشدة على المتشبهين بالصوفية وكذلك المتشبهين بالفقهاء واعتبرهم سبب ضعف المسلمين وألف كتابًا مستقلًا بعنوان"بيان غربة الإسلام بواسطة صنفي المتفقهة والمتفقرة من أهل مصر والشام وما والاهما من بلاد الأعجام" (80) . ونقرأ ترجمة هذا العالم المجاهد في شذرات الذهب"العارف بالله سيدي علي بن ميمون المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى اشتغل بالعلم ولازم الثغور على السواحل وكان رأس العسكر" (81) .