وبعد انتقاله إلى جوار ربه قاد خلفاؤه الأيوبيون أعمال التحرير ثم جاء بعدهم المماليك وحاق بالمسلمين في عهدهم محنة أخرى هي الغزو المغولي وقضاؤهم على الخلافة العباسية في بغداد (سنة 656هـ) . وقد شهد عصر المماليك اشتداد تيار التصوف ويعزو أغلب الباحثين ذلك إلى الأخطار التي ألمَّت بالعالم الإسلامي في القرن السابع الهجري على أيدي التتار في المشرق والصليبيين في المشرق والمغرب جعلت الناس يرغبون في التوبة الخالصة إلى الله والزهد في الدنيا والعودة إلى سنة السلف الصالح للخلاص من الأوضاع السيئة التي أحس فيها المسلمون (69) . وليس من المغالاة القول إن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (ت676هـ) يأتي في المرتبة نفسها التي احتلها صلاح الدين ونور الدين وذلك للوقائع الهائلة والنجاحات العظمى التي حققها على التتار وبقايا الصليبيين وتوجها بالمعركة الفاصلة في التاريخ الإسلامي والعالمي (عين جالوت 658هـ) والشيء الذي نريد إلقاء الضوء عليه في هذا الجانب هو العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الظاهر يبيرس وبين شيوخ التصوف في عصره وإكرامه لهم فقد كان له فيهم اعتقاد كبير منهم: السيد أحمد البدوي (ت675هـ) يروي صاحب شذرات الذهب: ... ـيا بذاك لنا الملاحم تخبر
"أنه بوصول السيد البدوي إلى مصر قادمًا من المغرب تلقاه الظاهر بيبرس بعسكره وأكرمه وعظمه" (70) وانتسب إلى طريقته (71) . ولكن الذي لعب دورًا مهمًا في حياة بيبرس هو الشيخ خضر الكردي العدوي"وقد بنى له السلطان زاوية بجبل المزة خارج دمشق وكان يتردد عليها بيبرس في الأسبوع مرة أو مرتين ويستشيره في أموره ولا يخرج عما يشير به ويأخذه معه في أسفاره وأطلق يده وصرّفه في مملكته" (72) . وهو الذي أخبر السلطان بأنه سوف يتسلطن وأخذ يقوي روح الجهاد لديه. ومما يدل على ملازمة الشيخ خضر للسلطان في معاركه قول الشاعر المعاصر لتلك الفترة:
ما الظاهر السلطان إلا مالك الدنـ