جاء في سير أعلام النبلاء وفي فوات الوفيات"قال حاتم:"كنا مع شقيق في مصاف نحارب الترك في يوم لا تُرى إلا رؤوس"تطير ورماح تقصف وسيوف تقطع فقال لي: كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا اليوم؟ تُراه مثل ما كنت في الليلة التي زُفَّت إليك امرأتك؟ قال: لا والله قال: لكني والله أرى نفسي في هذا اليوم مثل ما كنت تلك الليلة ومات في غزوة كوملان (ما وراء النهر) (عام 194هـ) (11) ."
ويترجم لنا صاحب شذرات الذهب عن علم آخر من أعلام الصوفية المجاهدين وهو حاتم الأصم واصفًا إياه"القدوة الرباني كان يقال له لقمان هذه الأمة توفي وهو مرابط على رأس سروَد على جبل فوق واشجرد" (12) . عام 237هـ ويروي ابن العديم أنه في القرن الثالث الهجري تجمع الصوفية من كل صوب في ثغور الشام إذ وفدوا إلى هذه الثغور جهادًا في سبيل الله للوقوف في وجه البيزنطيين وأشهرهم أبو القاسم القحطبي الصوفي وأبو القاسم الأبّار وأبو القاسم الملطي الصوفي الذي صحب الجنيد (13) البغدادي.
ونقرأ في تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن علي الحسين العتابي الصوري (ت 471هـ) واصفًا إياه"شيخ الصوفية بالثغر) كان ذا سمت حسن وطريقة مستقيمة" (14) .
هذه بعض الأمثلة عن الرعيل الأول من الصوفية المجاهدين وإذا كان المجال لا يتسع هنا للاستكثار من الشواهد فهي موجودة في بطون أمهات الكتب العربية. وبالجملة فلم يقعد الزهد والورع الصوفية عن الجهاد في سبيل الله والتفتيش عن مرضاته والشوق إلى لقائه. وقد لخص لنا سيدي عبد الوهاب الشعراني توفي (973هـ) مبادئ الصوفية في الجهاد قائلًا: