فهرس الكتاب

الصفحة 11653 من 23694

ومن المثير أن نجد أبًا الحسن الماوردي (ت 450هـ) في كتابه"أدب الدنيا والدين"يخرج مبالغات الشعراء عن تلبيس الكذب ويردها إلى خصائص الشعر والاقتدار على صنعته فما استحسن في الصنعة قد لا يستقبح ضرورة في العقل (104) . فلا غرابة أن يترسم القرطاجني سبيل الذي تقدموه فيشدد على وظيفة الشعر في الإمتاع والإفادة، وأن يقارب هذه الوظيفة مقاربة"أخلاقية"تحيلنا في أكثر من موضع على مصنفات الدين والفقه والأخلاق فأبو حامد الغزالي مثلًا (ت 505هـ) في"ميزان العمل"يقسم الخيرات إلى نافع وجميل ولذيذ، والشرور إلى ضار وقبيح ومؤلم ويميز بين اللذة والشهوة، فاللذة هي إدراك المشتهى، والشهوة عبارة عن انبعاث النفس لنيل ما تتشوفه. وهو يعد اللذة العقلية كلذة العلم والحكمة أشرف اللذات وأكملها (108) . وما دام الشعر عند القرطاجني كما هو عند السابقين عليه من النقاد والبلاغيين علمًا، كان من الطبيعي أن يقدروا الشعر من حيث هو صياغة فنية لقيم أخلاقية متصلة بذات جماعية: فقد كان الشعر عند عرب ما قبل الإسلام"متنفسًا"لروح القبيلة الحبيس، وشاهدًا على اقتران الضرورة الروحية بالضرورة الاجتماعية بنفس القدر الذي أتاحه الدين فيما بعد. وبرغم أن الشعر في الطور الجاهلي كان في مجمله تجليًا لبنية القوة، وكان في طوره الإسلامي الأول تجليًا لقيم إنكار الذات، ثم لقيم تقرير الذات مع المتنبي خاصة، فإنه لم يتخل قط عن وظيفته في الإمتاع والإفادة أو ما نحب أن نسميه"الوظيفة الاجتماعية الروحية"التي أسهمت في إرساء الوجدان الجمعي، فهذا الشعر هو الذي أتاح للمفردة أن تنتقل من محدود اللهجة إلى فضاء اللغة وأن تتجاوز"القبلي"إلى"الإسلامي"جنبًا إلى جنب مع القرآن. ولم يكن القرآن ليقيد الشعر أو يلزمه بالاغتسال في طهريته، فـ"الشعراء يقولون مالا يفعلون" (109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت