لعل في هذا المذهب مذهب"المنفعة اللذية"الذي حاولنا أن نتبين أهم عناصره ومكوناته، ما يؤكد أن القرطاجني اصطنع نظريته تحت سلطان ثقافة أصولية كانت تنزل الشعر منزلة الدين، بسبب من عناية العرب بالشعر وتأثرهم له وحسن اعتقادهم فيه (104) حتى إنهم عبروا عن"أفكارهم"بوساطة الشعر أكثر مما عبروا عنها بواسطة التاريخ، فقد كان الشعر عندهم يؤسس الثقافة بالقدر الذي تؤسس به الثقافة الشعر، من جهة، واصطنعها تحت ضغط العصر، من أخرى، إذ راعه حال الشعر في عصره وأفوله فـ"الاستعداد الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقول... معدوم بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم... يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة... فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين: حال كان ينزل [الشاعر] فيها منزلة أشرف العالم وأفضلهم، وحال صار ينزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم" (105) . وفي تقديرنا أن الأساس الأخلاقي الروحي في نظرية الإمتاع والإفادة عند القرطاجني يرجع في جانب منه، كبير إلى هذا التفاوت بين الرائع والمروع، حتى لكأن"الكتاب"منهاج البلغاء في تقويم الشعر (تعديلًا وقيمة) وسراج الأدباء يستنيرون به في أداء الصنعة، حتى يتصالح الشعر والثقافة بعد أن"هان الشعر على الناس.. لعجمة ألسنتهم واختلاف طباعهم، فغابت عنهم أسرار الكلام وبدائعه المحركة" (106) . ولم يكن لهذه المصالحة أن تتحقق إلا إذا واءم الشعر بين الإمتاع والإفادة ووشج الصلة من جديد بالنظام المعرفي الذي أسس الثقافة العربية في عهودها"الشعرية"الزاهرة. وهي ككل ثقافة مجموعة من الأنظمة الرمزية المنصوصة، شغل فيها الشعر حتى في طوره الإسلامي مرتبة متميزة فقد حده العرب المسلمون بحدود الصناعة التي ينضوي إليها، وهي ككل صناعة تمتاح عناصرها من العقل وليس من الشرع. ولكنهم برغم ذلك احتالوا له فلم يجعلوه غريمًا للشرع.