فهرس الكتاب

الصفحة 11651 من 23694

يعمل التناسب الإيقاعي في نظرية القرطاجني في مستويين متلازمين: التخيل والتخييل، فهو محاكاة أي مكون من مكونات الماهية لأن صناعة الشعر"موقوفة على معرفة جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض، ووضع بعضها تالية لبعض أو موازية لها في الرتبة" (98) . وهو مصدر من مصادر المتعة أو اللذة"فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع وما ائتلف من غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب (99) . وبالتالي فإن من عناصر الشعرية هذا التأليف الأيقاعي المخصوص، فالشعر شعر ما أخذ بهذا التأليف"وإن كان له نظام محفوظ لأنّا نشترط في نظام الشعر أن يكون مستطابًا" (100) . ويعزز الإمتاع بسبب من القافية، فهي مبعث التذاذ، إذ تجد فيها النفس راحة واستجدادًا لنشاط السمع. وذلك ما يسوغ في نظر القرطاجني ولع العرب بالقافية وما يستحسنون فيها من اقتران بعض الحركات والسكنات واقتران الحروف المصوتة وغير المصوتة، ببعض. والقافية عنده هي التي تحفظ للقصيدة نظامها، فهي لا توجس اللحن بقدر ما تقبض عليه وتضبطه و"لو أجروا [العرب] أواخر الكلم كيف اتفق لم يكن ذلك ملذوذًا لأن ذلك أمر لا يرجع إلى نظام" (101) . فالقافية تلحم مفاصل الجمل وتحول دون انسياحها وترجرجها، فهي ليست حلية أو زينة وإنما أداة وإيقاع في آن."ولجري الأمور على نظام منضبط محكم موقع عجيب من النفس" (102) . غير أن وظيفة القافية مثل وظيفة الوزن تنحو عند القرطاجني باتجاه الإفادة أيضًا، إذ بها تتمايز المعاني، فالعرب إنما جعلت مجاري القوافي فروقًا بين المعاني. وبالتالي فإن تفهم المعنى وتعلقه يرجع في جانب منه كبير إليها."

وعلى هذا الأساس فإن الإيقاع وسيلة وغاية في آن، فهو ممتع في ذاته، نافع في إفادة الهيئات والأخلاق وبعث السامع على الأفعال المطلوبة منه وعلى اقتناء سائر الخيرات النفسانية مثل الحكمة والعلوم، كما يبين الفارابي (103) .

خاتمة واستنتاج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت