ولكن هل لهذه الفرضيات أن تطرد وتستقيم في ضوء ما نعرف من شعر؟ وهل يمكن للأوزان أن تتمايز وتتفاضل على أساس من خصائص سابقة لزمن الكتابة والإنشاء؟ ألا يتسع الوزن الواحد لأكثر من غرض وأكثر من معنى؟ ألا يدل ذلك على أن الوزن -مجردًا- لا تعالقه صفات جمالية أو معنوية ثابتة؟.
تلك أسئلة تحاشاها حازم وتغاضى عنها، فبقيت الأوزان في نظريته تحتفظ بقيم سابقة على الكتابة، وقد نقر بهذه الفرضية فالإيقاع لا يمكن أن يكون قد نشأ من فراغ، ولكن يصعب أن نقبل تفسير حازم لها، فنحن لا نعرف شيئًا عن نشأة الشعر العربي وأوزانه، فالشعر الذي وصلنا قبل الإسلام حديث الميلاد كما يقول الجاحظ"فإذا استظهرنا الشعر وجدنا -إلى أن جاء الله بالإسلام- خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام" (93) . وهو شعر لا يحمل سيما الأوليات من الأشياء وليس فيه ولا في رجزه الذي يعده البعض البداية ما يؤمئ إلى أنه مرَّ بمراحل وأطوار حتى وصل إلى تلكم المرتبة التي نلمسها في شعر امرئ القيس أو الأعشى أولبيد... وتلك فجوة لم يقدر حازم على سدها، برغم الجهد الذي بذل. ولكن يحمِّد له أن تنبه إلى التناسب بين الوزن والمعنى أو بين الوزن والقصد الشعري. وربما أغراه بهذا الطرح تسمية البحور أي الأنساق الإيقاعية، فوجد شيئًا من ضالته فيها، فالتسمية تشعر باختلاف الأسس الإيقاعية من نسق إلى آخر، كما تختلف البحور في نقطة وجودها على الأرض واضطراب كل منها بما لا يضطرب به الآخر، على اتحاد الماء والموج فيها كلها (94) . وقد نستخلص من فرضيته، على صعوبة الإقرار بها، أن شعرية النص عنده تكمن في تآخي الوزن والمعنى أو في ضرورة أن يبتعث الشاعر الإحساس باتحادهما، ففي ذلك متعة المتلقي ولذته.