إن هذه المناسبة التي يمكن اختزالها في عنصرين: مناسبة بين السمعي والبصري، ومناسبة في مستوى الوزن الواحد، بين التفعيلات من حيث التقابل والترتيب، ليست موضوعًا شكليًا (89) ، فالصلة بين موسيقا الشعر ومعناه من جهة، وموسيقاه ووظيفته من أخرى هي عند القرطاجني من طبائع فن القول وأعراضه الذاتية.
1-الموسيقا والمعنى:
أما صلة الموسيقا الشعرية بالمعنى فمردها إلى الأغراض ومقاصدها والمقاصد جدّ ورصانة أو هزل ورشاقة أو بهاء وتفخيم. وليست الأوزان إلا محاكاة وتخيلًا لهذه المقاصد."فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصدًا هزليًا أو استخفافيًا... حاكى ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء..." (90) وقد تتوضح هذه الصلة أكثر في الأوصاف التي يضفيها القرطاجني على كل قسم من أقسام العروض الثلاثة أي الطويل والقصير والمتوسط، بحيث يُخَصّ كل قسم بغرض من الأغراض. فكأن الوزن -مجردًا- مشحون بالمعنى ناطق بغير لسان. والوزن هو كما ينقل القرطاجني عن ابن سينا زمان القول وعدد زمانه (91) . فإذا كان الأمر على هذا النحو فإن في ذلك ما يغري بالقول أن المعنى يومض قبل أن تقنصه اللغة وتروضه، ويومئ في ذاته قبل أن تخرجه اللغة من الخفاء إلى التجلي والتحقق والعلانية. فالطويل والبسيط يناسبان مقاصد الجد كالمدح والفخر ونحوهما. والكامل يناسب جزالة النظم والرمل والمديد يناسبان إظهار الشجو والاكتئاب و"العروض الطويل تجد فيه أبدًا بهاء وقوة، وتجد للبسيط سباطة وطلاوة. وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد. وللخفيف جزالة ورشاقة. وللمتقارب سباطة وسهولة" (92) .