فهرس الكتاب

الصفحة 11645 من 23694

لعله أن يكون بميسورنا، في ضوء ما تقدم، أن نقرر بكثير من الاطمئنان أن"الممتع المفيد"في نظرية الشعر عند القرطاجني يترجح بين الوسيلة والغاية، فالالتذاذ بالتخيل والمحاكاة إما أن يحمل المتلقي على استجلاب نفع أو استدفاع ضر، وإما أن يكون خيرًا في ذاته ولذاته، فإلى أي منهما تؤول قواعد الصناعة النظمية وطرقها الإيقاعية ما دامت هي أيضًا تخيلًا ومحاكاة؟

إن ما يشدنا عند هذا المفصل من مقاربتنا هو الوزن لصلته الوثيقة بالممتع المفيد في نظرية القرطاجني. فهو عنده من قوام الشعر وجوهره"فإن الأوزان مما يتقوم به الشعر ويعد من جملة جوهره" (77) وهو في هذا لا يختلف عميقًا عن سائر النقاد الذين أوكلوا كبير عناية للوزن من حيث هو فيصل بين الشعر والنثر وعنصر أصيل في بناء القصيدة. فلم يكن ذلك موضع جدل كبير بينهم، ولم يشذ عن إجماعهم سوى القليل (78) ، فالوزن كان مستقرًا في الأذهان بحيث يمكن عده طقسًا جماعيًا حميمًا إذ لم يفكر لا الشعراء ولا العروضيون ولا النقاد تفكيرًا جديًا في تغيير أوزان الشعر العربي أو أن يستبدلوا بها أوزانًا أخرى. وما أنجز في هذا المجال لا يتعدى محاولات فردية محدودة انحصرت في مجرد تنويع في الأوزان والقوافي وتعلقت بالتشكيل الخارجي لموسيقا الشعر وما يداخلها من أسباب وأوتاد وفواصل وعلل وزحاف. وربما لم يكن بميسورها أن تذهب أبعد من ذلك، فما يزعمه البعض من إيقاع داخلي في هذه المحاولات -وهو كامن فيها لا ريب- ليس مما يسهل الأخذ به والاطمئنان إليه (79) ، فإيقاع الحركات والسكنات وما فيها من قوة أو لين، ومن همس أو جهر ومن طول أو قصر يختلف من قصيدة إلى أخرى وربما من بيت إلى بيت، بحيث يصعب حده وضبطه وأحكام قواعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت