يبدو أن القرطاجني الذي يريد أن يجعل من نظريته في الشعر نظرية مطردة الأحكام أو علمًا برهانيًا استدلاليًا له مقدماته ونتائجه، يأخذ في الحسبان مثل هذه الأسئلة حتى يسوغ الأساس الأخلاقي الروحي في الشعر. لذا نجده يبطل التمييز بين الماهية والقصدية، ما دام"الممتع المفيد"لا يرتد إلى ذاتية الشاعر بقدر ما يرتد إلى تمثلات"أخلاقية"واعية تكشف بدرجة أولى عن الخواص الخفية أو البواعث النفسية التي تحفز المتلقي إلى التعامل مع النص الشعري بهذه الكيفية أو بتلك، وما دام الشعر يعني حدسيًا"تماثل"البنى الطبيعية والبنى الثقافية ضمن معادلة دقيقة بين"ما يجب فعله"و"مالا ينبغي فعله"، فالشاعر ملزم بالصدور عما هو طبيعي، ولكن عليه في الآن نفسه أن يمتلك الوسائل وأن يجيد الوسائط التي تجعله يتجاوز الطبيعي وينفيه حتى يتمكن من صنع بنيته الجدلية الخاصة. وليس في تشديد القرطاجني على جودة الطبع وكثرة المزاولة واتساع الدراية والتحيل في إيقاع الدلسة للنفس في الكلام لدى الشاعر (71) سوى تأكيد للتماثل المشار إليه. ولكنه تماثل يجب أن يخفى وقصد يجب أن يحتجب، بحيث لا يلحظ القارئ طرائق الشاعر في التعمل ومناحيه في الاحتشاد للمعنى والصورة، فالتخيل في جانب كبير منه تحيل و"النظم صناعة آلتها الطبع. والطبع هو استكمال للنفس في فهم أسرار للكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها" (72) . ومن ثم يتحدد القصد من داخل النص مثلما يتحدد من خارجه فتتضافر في تشكيله كيفية القول ومواثيق التلقي والقراءة. فما دامت أحوال الناس مفرحة أو مفجعة أو شاجية وجب أن يراعي الشاعر هذه القسمة التي تؤول بالأقاويل الشعرية إلى ثلاثة أقسام بحسب البساطة هي:
1-أقوال مفرحة.
2-أقوال شاجية.
3-أقوال مفجعة.
وأربعة أقسام بحسب التركيب هي:
1-أقوال مؤتلفة من سارة وشاجية.
2-أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة.