إلا أن القصد الأخلاقي هو المهيمن على وظيفة الشعر عند القرطاجني، فهو يجري على تقدير الشعر من حيث هو صياغة فنية مخصوصة لجملة من القيم والمثل. وعليه فاللذة بذاتها ليست ذات قيمة كبرى ولكن اللذة الناجمة عن محاكاة التحسين أو التقبيح أو المرتبطة بالتجربة الجمالية تزيد من انبساط النفوس إلى ما يراد لها من استجلاب المنافع واستدفاع المضار. أما تلك الناجمة عن محاكاة المطابقة فهي خير في ذاتها، وكأن الفعل الصواب الذي ينبغي أن يفعله الشاعر هو أن يروض الخواطر حتى يسلم المتلقي إلى أكبر قدر ممكن من اللذة ويقلل ألمه إلى أكبر قدر ممكن. وللقرطاجني في هذا الباب حججه المستمدة من مفهوم العلم في عصره من حيث هو بحث في خواص الأشياء وكشف عن طبائعها، وليس عن العلائق القائمة بينها أو القوانين التي تتحكم فيها، ذلك أن فكرة القانون لم تكن قد تبلورت بعد، فانصرفت أنظار العلماء إلى دراسة الأعراض الذاتية والخصائص الثابتة الملازمة للأشياء، أي الظواهر التي تحدث في الناس"بالطبع"ويتقرر اليقين بها من الحس والعقل والمشاهدة والتواتر (69) . فبالاستناد إلى هذا المفهوم يقرر القرطاجني أن الناس بحسب تصاريف أيامهم وتقلب أحوالهم ثلاثة أصناف:
-صنف عظمت لذّاته وقلت آلامه فأحواله مفرحة.
-صنف عظمت آلامه وقلّت لذّاته فأحواله مفجعة.
-صنف تكافأت لذّاته وآلامه فأحواله شاجية" (70) ."
فإذا كانت مهمة الشعر استجلاب"الخير"فالسؤال: على من يعود هذا الخير؟ وهل هو خير خاص أم خير عام؟ بل هل يهم الشاعر أن يسأل مثل هذه الأسئلة ما دامت مهمة"الممتع المفيد"أو"الحسن النافع"مشروطة بـ"إنتاج"الخير ليس إلا؟.